أظهرت دراسة جديدة أن فحص الدم لتشخيص أكثر من 50 نوعاً من السرطان قد يساعد في تسريع التشخيص، وتظهر نتائج تجربة أجريت في أميركا الشمالية أن الاختبار كان قادراً على تحديد مجموعة واسعة من أنواع السرطان، والتي لا يوجد لدى ثلاثة أرباعها أي شكل من أشكال برامج الفحص. إذ تم اكتشاف أكثر من نصف حالات السرطان في مرحلة مبكرة، حيث يكون علاجها أسهل ويمكن علاجها بشكل محتمل.
يستطيع اختبار “جاليري”، الذي طورته شركة الأدوية الأمريكية “جريل”، الكشف عن شظايا الحمض النووي السرطاني التي انفصلت عن الورم وتنتشر في الدم. ويجري حالياً اختباره من قِبل هيئة الخدمات الصحية الوطنية. في سياق متصل، كانت قد أظهرت دراسة حديثة أُجريت ضمن خدمات الصحة الوطنية البريطانية (NHS)، أن اختبار دم جديد قادر على الكشف المبكر عن عدة أنواع من السرطان، ما يفتح آفاقاً واعدة لتحسين فرص التشخيص والعلاج المبكر. ويعد هذا الاختبار خطوة مهمة نحو تعزيز جهود مكافحة السرطان وتقليل معدلات الوفاة المرتبطة به.
حيثيات دراسة كشف السرطان من فحص الدم
قال باحثون إن اختبار دم قادر على اكتشاف أكثر من 50 نوعاً من السرطان أظهر نتائج واعدة في تجربة كبرى أجرتها هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وقد نجح الاختبار في الكشف بشكل صحيح عن اثنين من كل ثلاثة أنواع من السرطان بين 5000 شخص زاروا طبيبهم العام بأعراض مشتبه بها، في إنجلترا أو ويلز، وفي 85% من تلك الحالات الإيجابية، تمكن الاختبار أيضاً من تحديد الموقع الأصلي للسرطان.
يبحث اختبار “جاليري” عن تغيرات مميزة في أجزاء من الشفرة الجينية التي تتسرب من أنواع مختلفة من السرطان. إن اكتشاف السرطان القابل للعلاج مبكرًا يمكن أن ينقذ الأرواح.
اقرأ أيضاً: لماذا يُحرم أكثر من 60 ألف مريض سرطان من علاج مُنقذ؟
مجريات التجربة ومتابعتها للحالات
تابعت التجربة 25 ألف بالغ من الولايات المتحدة وكندا على مدار عام، وحصل ما يقرب من واحد من كل 100 منهم على نتيجة إيجابية. وفي 62% من هذه الحالات، تم تأكيد الإصابة بالسرطان لاحقاً، وقال الباحث الرئيسي المشارك في طب الإشعاع بجامعة “أوريغون Oregon” للصحة والعلوم، إن البيانات أظهرت أن الاختبار يمكن أن “يغير بشكل أساسي” نهجهم في فحص السرطان.
وأوضح أن ذلك قد يساعد في الكشف عن العديد من أنواع السرطان “في وقت مبكر، عندما تكون فرص نجاح العلاج أو حتى الشفاء منه هي الأكبر”، إذ نجح الاختبار في استبعاد الإصابة بالسرطان بشكل صحيح في أكثر من 99% من الذين جاءت نتائج اختباراتهم سلبية، وعندما دمج فحص التجربة مع فحص الثدي والأمعاء والرئة وعنق الرحم، أدى إلى زيادة عدد حالات السرطان المكتشفة بشكل عام بمقدار سبعة أضعاف.
لكن الأمر الحاسم هو أن ثلاثة أرباع حالات السرطان التي تم اكتشافها كانت من تلك التي لا يوجد لها برنامج فحص مثل سرطان المبيض والكبد والمعدة والمثانة والبنكرياس، وقد نجح فحص الدم في تحديد أصل السرطان بشكل صحيح في تسع حالات من أصل عشر. وتشير هذه النتائج المذهلة إلى أن اختبار الدم قد يلعب في نهاية المطاف دوراً رئيسياً في تشخيص السرطان في وقت مبكر.
اقرأ أيضاً: فضيحة الدم الملوث: أدلة وبراهين تكشف تستر الحكومة البريطانية على إخفاق مؤسساتها
آراء العلماء غير المشاركين ومدى تبني التجربة
العلماء غير المشاركين في البحث يقولون إن هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لإثبات ما إذا كان فحص الدم يقلل من الوفيات الناجمة عن السرطان. وقالت “كلير تورنبول Clare Turnbull”، أستاذة علم الوراثة السرطانية الانتقالية في معهد أبحاث السرطان في لندن: “ستكون البيانات المستمدة من الدراسات العشوائية، مع معدل الوفيات كنقطة نهاية، ضرورية للغاية لتحديد ما إذا كان الكشف المبكر من خلال “جاليري” يترجم إلى فوائد في الحد من معدل الوفيات”.
من المقرر أن يتم الإعلان عن النتائج الرئيسية في مؤتمر الجمعية الأوروبية لعلم الأورام الطبي في برلين، ولكن التفاصيل الكاملة لم تنشر بعد، وسوف يعتمد الكثير على نتائج تجربة تستمر ثلاث سنوات وتشمل 140 ألف مريض من مرضى هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، والتي سيتم نشرها العام المقبل.
قالت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في وقت سابق إنه في حال نجاح النتائج، فسوف توسع نطاق الاختبارات لتشمل مليون شخص آخر. ووصف السير هاربال كومار Harpal Kumar، رئيس قسم الأدوية الحيوية في شركة جرايل، النتائج بأنها “مقنعة للغاية”، وفي حديثه لبرنامج “توداي” على راديو بي بي سي 4، قال: “الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يموتون من السرطان يفعلون ذلك لأننا نكتشف سرطانهم في وقت متأخر للغاية”.
أضاف أن العديد من أنواع السرطان يتم اكتشافها عندما تكون “متقدمة للغاية بالفعل”، موضحاً أن الهدف هو “التحول إلى الكشف المبكر، عندما تتاح لنا الفرصة لاستخدام علاجات أكثر فعالية وربما علاجية”.
لكن “ناصر ترابي” من مركز أبحاث السرطان في المملكة المتحدة حذر من أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث “لتجنب الإفراط في تشخيص أنواع السرطان التي ربما لم تسبب ضرراً”، وأضاف أن “اللجنة الوطنية للفحص في المملكة المتحدة ستلعب دوراً حاسماً في مراجعة الأدلة وتحديد ما إذا كان ينبغي على هيئة الخدمات الصحية الوطنية اعتماد هذه الاختبارات”.