تصاعدت الأصوات في مختلف أنحاء العالم مطالبة بتكريم فرانشيسكا ألبانيزي Francesca Albanese، المقررة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر منحها جائزة نوبل للسلام، إلى جانب الأطباء الذين يواصلون أداء واجبهم الإنساني في قطاع غزة رغم القصف والحصار.
وانطلقت هذه المطالبات من خلال عريضة إلكترونية لاقت انتشارًا واسعاً، وبلغ عدد الموقعين عليها أكثر من 401 ألف شخص حتى الآن، مع هدف للوصول إلى 500 ألف توقيع.
وفي هذا السياق، صرّح أودان أو ريوردان Audran O’Riordan، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب العمال في دبلن Dublin، بأن فرانشيسكا ألبانيز هي المرشحة المثالية لنيل الجائزة، مشيراً إلى أن أعضاء البرلمان والقضاة الدوليين والحاصلين على نوبل بإمكانهم ترشيح أسماء للجائزة.
وقال ريوردان: “فرانشيسكا ألبانيز، المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، هي أبرز الأصوات التي سلطت الضوء على المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، والذين واجهوا خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية إرهاباً وظروفاً غير إنسانية في غزة والضفة الغربية، ويشرّفني أن أكون من بين المطالبين بتكريمها بجائزة نوبل للسلام”.
اقرأ أيضاً: محامي مسلم في بريطانيا يرفض تمثيل موكل إسرائيلي
مواقف ألبانيزي ونشاطها اتجاه القضية الفلسطينية
عرفت ألبانيزي بمواقفها الواضحة وصوتها الجريء في مواجهة الانتهاكات بحق الفلسطينيين، حيث كانت من أبرز الشخصيات الأممية التي دعت إلى التحرك السريع لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وعلى الرغم من الانتقادات والضغوط، واصلت ألبانيزي تسليط الضوء على الوضع الإنساني الكارثي في الأراضي الفلسطينية، مع تركيز خاص على معاناة سكان غزة المحاصرة.
وقد شكلت ألبانيزي توازناً حقيقياً أمام صمت وتجاهل كثير من السياسيين، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، والذين يُفترض أن يكونوا في مقدمة الجهود لوقف المجازر، بدلاً من دعم أو التساهل مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل.
وفي خطوة مثيرة للجدل، فرضت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Donald Trump عقوبات على ألبانيزي خلال الأسبوع الماضي، وهي خطوة وُصفت بأنها محاولة لإسكات صوت حقوقي يزعج حلفاء واشنطن في المنطقة.
لكن هذه العقوبات لم تردعها، بل عززت من الدعم الشعبي لها، خاصة مع تصاعد حملات الاستهداف التي تطال المدافعين عن حقوق الفلسطينيين.
وقد اتهمت ألبانيزي المجتمع الدولي بالتماهي مع “الفساد الأخلاقي والسياسي” الذي يشرعن استمرار الإبادة في فلسطين، وقد أصدر مكتبها عدة تقارير وثقت من خلالها جرائم الحرب في الضفة الغربية وغزة، من أبرزها تقرير بعنوان “الإبادة كوسيلة للإزالة الاستعمارية”، والذي أعيد نشره كملحق في أحد الكتب الأخيرة حول الإبادة.
كما حذّرت من أن بعض الدول والمنظمات قد تكون شريكة في الجرائم الجارية، مشيرة إلى أن تهديدات بريطانية بوقف التمويل وسحب الاعتراف بالمحكمة الجنائية الدولية بعد إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين قد تجعل رئيسي الوزراء السابقين ديفيد كاميرون David Cameron وريشي سوناك Rishi Sunak عرضة للمساءلة بموجب نظام روما الأساسي.
وحثت ألبانيزي مسؤولي الاتحاد الأوروبي على مواجهة احتمال التواطؤ في جرائم الحرب، مؤكدة أن تغاضيهم لا يمكن أن يمر بلا مساءلة، وكانت من أبرز الداعمين لأسطول “مادلين” لكسر الحصار المفروض على غزة، واعتبرت أن القارب الذي اعترضته إسرائيل كان يحمل رسالة إنسانية للعالم، إلى جانب المساعدات.
وفي أحدث تقاريرها، كشفت ألبانيزي عن قائمة تضم 48 شركة ومؤسسة، من بينها Palantir Technologies, Lockheed Martin, Alphabet (Google), Amazon, IBM, Caterpillar, Microsoft، ومعهد MIT، إضافة إلى بنوك وشركات تأمين، اتهمتهم بتحقيق أرباح طائلة من الاحتلال والإبادة الجماعية، في انتهاك واضح للقانون الدولي.
في المقابل، اتهمها السيناتور الأميركي ماركو روبيو Marco Rubio بأنها تروّج لمعاداة السامية وتؤيد الإرهاب، وأظهر استياءه من تصريحاتها المنتقدة للولايات المتحدة وإسرائيل، ومن المرجح أن تُمنع ألبانيزي من دخول الولايات المتحدة وتُجمّد أصولها بموجب العقوبات.
تفاعل شعبي واسع ودعم لفرانشيسكا
حظيت ألبانيزي بتأييد شعبي واسع، حيث كتبت إحدى المتضامنات: “صوتت على العريضة لأن فرانشيسكا هي بطلة في نظري. فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات ظالمة لأنها امرأة شجاعة لم تصمت تجاه الإبادة التي يتعرض لها شعب غزة.”
أما غابرييل Gabriel، أحد الموقعين، فقال: “ترشيح فرانشيسكا ألبانيزي ليس خطوة سياسية فحسب، بل موقف تاريخي وأخلاقي وإنساني يعكس التحول الحاسم الذي يشهده ضمير العالم في وجه القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى.”
نوبل والسلام الفلسطيني
لم تكن ألبانيزي الوحيدة التي ارتبط اسمها بجائزة نوبل في سياق القضية الفلسطينية، ففي عام 1994، حصل الرئيس الراحل ياسر عرفات على الجائزة إلى جانب الزعيمين الإسرائيليين شمعون بيريز Shimon Peres وإسحاق رابين Yitzhak Rabin بعد توقيع اتفاقيات أوسلو Oslo، في خطوة رمزية لاختيار “غصن الزيتون” بدلاً من الصراع.
كما مُنح الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن Menachem Begin الجائزة عام 1978 بعد اتفاقيات كامب ديفيد Camp David، التي شكلت نقطة تحوّل في العلاقات الإقليمية بعد حرب أكتوبر.
شهادات نساء نوبل حول غزة
وفي تطور لافت، زار وفد من النساء الحائزات على جائزة نوبل للسلام، ضمن مبادرة نوبل للنساء، الأراضي الفلسطينية والأردن، حيث اجتمعن مع نساء فلسطينيات واستمعن إلى شهاداتهن، ووصفت الحائزة على الجائزة جودي ويليامز Jody Williams ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية وتطهير عرقي واحتلال غير شرعي”، داعية الحكومات، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى وقف دعم هذا الاحتلال.
من جانبها، قالت توكل كرمان Tawakkol Karman: “النساء في فلسطين يعانين من عنف لا يُحتمل، لكنهن ما زلن يقمن برعاية مجتمعاتهن، هذا الكفاح هو نضال مشترك من أجل الكرامة والبقاء، لا بد للعالم من وقف نظام الفصل العنصري، والعدوان، وتجميد مبيعات الأسلحة.”
في حين واجهت الحائزة على نوبل للسلام ملالا يوسف Malala Yousafzai انتقادات لاذعة بسبب مواقفها المتأرجحة تجاه غزة، ورغم إدانتها للعنف وتبرعها بمبلغ 300,000 دولار لصالح جمعيات تدعم الفلسطينيين، إلا أن ظهورها لاحقاً مع هيلاري كلينتون Hillary Clinton، المعروفة بدعمها المطلق لإسرائيل، خلال التحضير لإنتاج مسرحية موسيقية، اعتُبر خيانة لقضية إنسانية، واعتبرها البعض أداة ناعمة في يد الغرب.
في النهاية، القضية الفلسطينية لم تعد مقتصرة على ضمائر الشعوب العربية، إنما أصبحت كلمة حق لنصرة مظلوم وشعب أعزل يباد بكل أنواع الأسلحة، وفرانشيسكا ألبانيزي هي واحدة من الشخصيات الكثيرة التي تناصر قضية محقة ضد محتل غاصب.
اقرأ أيضاً: غزة تحت القصف.. بريطانيا تعلّق وأمريكا تستغرب!