قانون محاسبة المشردين ذهب مع الريح.. لكن ماذا بعد ذلك؟
تابعونا على:

أخبار لندن

قانون محاسبة المشردين ذهب مع الريح.. لكن ماذا بعد ذلك؟

نشر

في

692 مشاهدة

قانون محاسبة المشردين ذهب مع الريح.. لكن ماذا بعد ذلك؟

تخيل أن يعاقب الشخص فقط لأنه لا يمتلك مكاناً ينام فيه! هذا ما كان مطبقاً في بريطانيا منذ عام 1824، فقد كان القانون يسمح للشرطة بملاحقة الأشخاص الذين ينامون في الشوارع أو يتسولون، وكأنهم المشكلة بحد ذاتها، دون النظر إلى الظروف التي أوصلتهم لذلك. غير أن بريطانيا منذ فترة تدرس قانوناً يلغي ملاحقة المشردين الذين لا مأوى لهم، حتى توصلت إلى إلغاءه. وقد شجع كثيرون هذه الخطوة لكونها تتعامل مع موضوع التشرد بطريقة مختلفة. فالمتشرد يحتاج إلى مساعدة وليس العقاب.

لكن بالرغم من هذا القرار الكبير، ظهر سؤال أكبر منه: هل يكفي إلغاء قانون عمره أكثر من 200 عام لحل أزمة التشرد التي ما زالت تتفاقم في المملكة المتحدة؟

من معاقبة المشردين إلى دعمهم

قد يتساءل البعض عن سبب وجود قانون يعاقب الإنسان على التشرد. والإجابة ضمن صفحات التاريخ البريطاني، عندما كانت تعيش بريطانيا تعيش ظروفاً مختلفة تماماً بعد الحروب النابليونية. فقد صدر قانون التشرد عام 1824 للحد من التسول والتشرد. إلا أن المجتمع تغير كثيراً منذ ذلك الوقت، بينما بقي القانون قائماً حتى اليوم.

وعلى الرغم من أنه لم يكن يطبق بشكل كبير، إلا أنه ظل يمنح السلطات صلاحية مكافحة المشردين وإبعادهم من الشوارع، مع إمكانية فرض غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني أو تسجيل مخالفات جنائية بحقهم. ولذلك ظلت الجمعيات الخيرية والمنظمات الحقوقية تطالب بإلغائه لسنوات، لأنها كانت ترى أن معاقبة شخص فقد منزله لن تساعده على استعادة حياته.

ومن أبرز الجهات التي رحبت بالقرار مؤسسة أواسيس للإسكان المجتمعي Oasis Community Housing. حيث قالت رئيستها التنفيذية سارة جورمان Sarah Gorman، التي تعمل في مجال دعم المشردين منذ أكثر من 35 عاماً، إنها شاهدت بنفسها كيف يمكن للتشرد أن يدمر حياة الإنسان، لكنها رأت أيضاً أن كثيراً من هؤلاء الأشخاص يملكون القدرة على إعادة بناء حياتهم عندما يجدون الدعم المناسب.

وترى جورمان أن إلغاء القانون يرسل رسالة مهمة، وهي أن التشرد ليس جريمة، بل قضية اجتماعية تحتاج إلى التعاطف والحلول العملية، وليس إلى العقوبات.

وفي الوقت نفسه تؤكد الحكومة أن إلغاء القانون لا يعني التساهل مع الجريمة. فالعصابات التي تستغل الأشخاص في التسول أو تجبرهم عليه ستبقى ملاحقة قانونياً بموجب قانون الجريمة والشرطة لعام 2026، كما ستبقى الجرائم الأخرى، مثل التعدي على الممتلكات، خاضعة للقانون.

المشكلة أكبر من مجرد قانون

ورغم هذا التغيير التاريخي، فإن الأرقام تكشف أن أزمة التشرد لا تزال بعيدة عن التوصل لحلول جذرية. ففي أغسطس 2025 سجلت إنجلترا وجود 4793 شخصاً ينامون في الشوارع خلال ليلة واحدة فقط، وهو أعلى رقم منذ بدء تسجيل هذه البيانات، ويزيد بنسبة 171% مقارنة بعام 2010. ويؤكد العاملون في هذا المجال أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك، لأن كثيراً من المشردين لا يظهرون في الإحصاءات الرسمية. أما في لندن، فقد شوهد أكثر من 13 ألف شخص ينامون في العراء بين أبريل 2023 ومارس 2024، وهو أيضاً رقم قياسي.

وهنا يجب الإشارة إلى فكرة مهمة وهي أن التشرد لا يعني دائماً النوم في الشارع، فهناك عشرات الآلاف من الأسر التي تعيش في مساكن مؤقتة، تنتقل من مكان إلى آخر دون أن تعرف متى ستجد منزلاً دائماً. وبحسب الإحصاءات وصل عدد الأسر التي تعيش في مساكن مؤقتة في إنجلترا في سبتمبر 2025 إلى 134,760 أسرة، بينها 172,420 طفلاً، وبالنسبة لهؤلاء الأطفال، لا تقتصر المشكلة على فقدان المنزل، بل تمتد إلى فقدان الشعور بالأمان والاستقرار، واضطرار كثير منهم إلى تغيير مدارسهم بشكل متكرر، وهو ما يؤثر في تعليمهم وعلاقاتهم الاجتماعية.

ومع انتشار اعتقاد بأن التشرد يعني وجود أشخاص مدمنين على المخدرات أو الكحول، وبأن هذا أحد أسباب تشردهم، إلا أنه عند النظر إلى الواقع سنجد أن ارتفاع الإيجارات، ونقص المساكن الاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم مواكبة الأجور لهذه الزيادات، كلها عوامل ساهمت في وجود المزيد من العائلات الفاقدة لمساكن دائمة لها.

وبعيداً عن الجانب الإنساني، الخسائر الناتجة عن التشرد تصل إلى الاقتصاد، فبحسب تقديرات مؤسسة كرايسس Crisis بقاء شخص واحد في الشارع لمدة عام يكلف الدولة أكثر من 20 ألف جنيه إسترليني، بينما لا تتجاوز تكلفة التدخل المبكر لمساعدته نحو 1400 جنيه فقط.

ماذا تفعل الحكومة؟

تقول الحكومة إن إلغاء القانون ليس سوى بداية لخطة أوسع تهدف إلى تقليل التشرد، وليس مجرد تغيير في النصوص القانونية. لذلك أعلنت عن برنامج بقيمة 15 مليون جنيه إسترليني لدعم الأشخاص الذين قضوا فترات طويلة في الشوارع، بالإضافة إلى تخصيص 159 مليون جنيه إسترليني لتوفير مساكن مستقرة للمحتاجين، وهو ما ساعد بالفعل أكثر من 2500 شخص على الانتقال إلى سكن دائم.

كما خصصت 37 مليون جنيه إسترليني لدعم الجمعيات والمنظمات المجتمعية التي تعمل مع المشردين بشكل مباشر، إلى جانب استثمار 950 مليون جنيه إسترليني لتحسين أماكن الإقامة المؤقتة وتقليل الاعتماد على المساكن الرديئة.

وتأتي هذه الخطوات ضمن خطة وطنية تبلغ قيمتها 3.6 مليار جنيه إسترليني على مدى ثلاث سنوات، وتهدف إلى خفض التشرد المزمن إلى النصف، ومنع خروج الأشخاص من المؤسسات مباشرة إلى الشارع، وإنهاء استخدام أماكن الإقامة غير المناسبة للعائلات، بالإضافة إلى إنهاء عمليات الإخلاء دون سبب بموجب المادة 21، واستثمار 39 مليار جنيه إسترليني في الإسكان الاجتماعي والميسر خلال السنوات العشر المقبلة.

هل توجد تجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها؟

إذا كان هناك شيء يدعو للتفاؤل، فهو أن دولاً أخرى أثبتت أن الحد من التشرد ليس أمراً صعباً. فخلال جائحة كوفيد-19 أطلقت بريطانيا مبادرة “إيواء الجميع Everyone In”، التي وفرت مساكن مؤقتة للمشردين، ونجحت خلال عام واحد في خفض أعدادهم بنحو 37%. ورغم أن الأرقام عادت إلى الارتفاع بعد انتهاء البرنامج، إلا أن التجربة أثبتت أن التدخل السريع يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً عندما تتوافر الإرادة السياسية.

أما التجربة الأكثر نجاحاً فهي ما قامت به فنلندا منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد استطاعت تخفيض أعداد المشردين بنحو 75% من خلال سياسة “السكن أولاً Housing First”. حيث تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: بدلاً من مطالبة الشخص بحل جميع مشكلاته قبل أن يحصل على منزل، يتم منحه مسكن مستقر أولاً، ثم يحصل بعد ذلك على الدعم النفسي والاجتماعي والصحي الذي يساعده على العودة إلى حياة طبيعية.

وبالرغم من وجود معارضة كبيرة لهذه السياسة في البداية، غير أن نتائجها أثبتت أن توفير السكن أولاً ليس عبئاً على الدولة، بل استثمار يقلل الإنفاق العام ويحسن حياة الناس.

وفي النهاية، لا أحد يختار حياة التشرد، بل الظروف المالية والنفسية الصعبة التي يمر بها الإنسان هي ما تجعله يتخذ من الشارع مأوى له. لذلك إلغاء قانون التشرد وتأكيد الحكومة البريطانية أن ذلك يعد البداية لدعم المشردين عبر برامج هو خطوة عظيمة. والذي سيحدد مدى نجاح الخطوة هو قدرة الدولة على تقليص أعداد المشردين خلال فترة زمنية محددة، خصوصاً وأن لها تجربة مؤقتة ناجحة خلال جائحة كورونا.

أقرأ أيضاً: التشرد في بريطانيا نحو أرقام مرعبة!

بعد سقوط الكبار.. من يخطف لقب دوري البطولة الإنجليزية 2026/27؟
رياضة29 دقيقة منذ

بعد سقوط الكبار.. من يخطف لقب دوري البطولة الإنجليزية 2026/27؟

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟
سياسة22 ساعة منذ

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟

من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة
مشاهير23 ساعة منذ

من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة

من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. لماذا يتزايد الضغط على الحكومة البريطانية
أخبار لندن23 ساعة منذ

من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. لماذا يتزايد الضغط على الحكومة البريطانية

كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا
الحياة في بريطانيايومين منذ

كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا

ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد
رياضةيومين منذ

ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد

حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟
سياسةيومين منذ

حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟

اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها
عربية4 أيام منذ

اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها

الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟
علوم وتكنولوجيا4 أيام منذ

الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟

عجز اسكتلندا ينخفض.. والجدل حول الاستقلال يشتعل: ماذا تقول الأرقام؟
مال وأعمال4 أيام منذ

عجز اسكتلندا ينخفض.. والجدل حول الاستقلال يشتعل: ماذا تقول الأرقام؟
















X