تأخذ المعارك القانونية بين المؤسسات والأشخاص المهمين ضجة إعلامية كبيرة، فماذا لو كانت هذه المعركة بين مؤسسة إعلامية كهيئة الإذاعة البريطانية BBC ورئيس بأهمية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump؟ هنا تتحول الأنظار للقضاء الذي يحكم بين الطرفين، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة التي جعلت من أفراد عائلة ترامب يدخلون إلى قلب القضية.
ولمن يريد معرفة تفاصيل القضية، فقد بدأت المواجهة بين ترامب وBBC بسبب حلقة من برنامج “بانوراما Panorama” التي تم عرضها عام 2024، وتناولت خطاب ترامب الذي ألقاه في 6 يناير 2021، قبل اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي.
وترى دعوى ترامب أن BBC قامت بجمع أجزاء منفصلة من الخطاب بطريقة غيرت معناه، وأعطت المشاهد انطباعاً بأنه دعا بشكل مباشر إلى أعمال عنيفة. لذلك رفع الرئيس الأمريكي في ديسمبر الماضي دعوى قضائية ضد الهيئة، وطالب بتعويضات وصلت إلى 10 مليارات دولار، عدا عن تهم التشهير والممارسات التجارية الخادعة وغير العادلة.
لكن بالرغم من أن BBC قدمت اعتذارها عن طريقة التحرير، لكنها عارضت تهم ترامب لها بالتشهير به. ودعماً لموقفها تحاول الهيئة الحصول على شهادات ووثائق من ثلاثة أشخاص قريبين جداً من الرئيس، وهم نجله دونالد ترامب جونيور Donald Trump Jr، وابنته إيفانكا ترامب Ivanka Trump، وزوجها جاريد كوشنر Jared Kushner.
لماذا تريد BBC شهادة أفراد عائلة ترامب؟
قد تتساءل حول أسباب استعانة BBC بأفراد من عائلة ترامب، لذلك فسر محامو الهيئة ذلك بأن أفراد عائلة ترامب الثلاثة قد يعرفون تفاصيل مهمة عن الخطاب الذي تدور حوله الدعوى.
وبحسب ملف قدموه إلى محكمة اتحادية في فلوريدا، فإن دونالد ترامب جونيور وإيفانكا ترامب كانا موجودين عندما كان والدهما يراجع الخطاب ويستعد لإلقائه. أما بالنسبة لجاريد كوشنر، فتشير الوثائق إلى أنه شارك في إعداد بيان مقترح لترامب كان يتضمن إدانة استخدام العنف.
بالنسبة للـBBC، هذه التفاصيل ليست هامشية، فالهيئة تريد معرفة ما كان ترامب يقصده فعلياً عندما ألقى الخطاب، وما إذا كان أفراد عائلته قد شهدوا عملية إعداده ومراجعته. لذلك تجد أن جمع شهادتهم مع الوثائق التي قد تكون معهم قد تكون مرتبطة مباشرة بالقضية.
لكن اصطدم ممثلو الفريق القانوني لـBBC بعائق، وهو عدم قدرتهم على الوصول لأفراد عائلة ترامب، رغم أنهم حاولوا تسليم أوامر الاستدعاء بشكل مباشر، إلا أن المحاولات لم تنجح.
حيث لم تنجح محاولات أحد الممثلين القانونيين في تجاوز نقاط التفتيش الأمنية الموجودة على باب منزل إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر بولاية فلوريدا، وبعد ذلك أبلغته الخدمة السرية بأن الجهاز لا يستطيع قبول أوامر الاستدعاء نيابة عنهما.
أما دونالد ترامب جونيور، فتوجه أحد الممثلين القانونيين إلى برج ترامب في نيويورك لتسليم الوثيقة. لكن موظف الاستقبال قال له إن الشخص الذي يتولى عادة استلام مثل هذه الأوراق ليس موجوداً.
لم يستسلم ممثلو الهيئة، فعادوا للمحاولة مرة أخرى، لكن الرد هذه المرة كان بأن القسم القانوني غير موجود في ذلك اليوم. وهذا ما دفعهم للطلب من المحكمة السماح لهم بإرسال أوامر الاستدعاء عبر البريد الإلكتروني والبريد المسجل، بعدما فشلت محاولات تسليمها باليد.
ولا بد من التذكير بأن الاستدعاء القضائي هو أمر رسمي يطلب من شخص تقديم وثائق أو الإجابة عن أسئلة تحت القسم، وفي حال لم يلتزم المستدعون بالحضور قد تترتب عليهم عواقب قانونية.
اقرأ أيضاً: مشاهير العالم يستغلون غرامي 2026 لمهاجمة سياسة ترامب.. وترامب يرد!
ترامب يرد.. والقضية تتجه إلى 2027
من الطبيعي أن يرفض فريق ترامب هذه الخطوة، خصوصًا أن الأمر لم يعد يتعلق بالرئيس وحده، بل بأفراد من عائلته أيضاً. وبحسب بيانات الوثائق المقدمة للمحكمة، يتهم الفريق القانوني لترامب BBC بأنها تعمدت تشويه سمعة الرئيس، وقالوا إن الهيئة تحاول الآن استخدام عملية الإدلاء بالشهادة لمضايقة ترامب وعائلته ومؤيديه، بدلاً من تحمل مسؤولية تصرفاتها في القضية.
ومن تابع القضية منذ بدايتها سيعرف أنه حصلت فيها تطورات كثيرة خلال الأشهر الماضية، فقد طلبت BBC الحصول على سجلات مالية لترامب، لأنها تريد الاستناد إليها في مناقشة ادعائه بأن الفيلم الوثائقي أضر بمصالحه التجارية، غير أن فريق ترامب رفض الكشف عنها لأن ذلك قد يسبب له ضرراً لا يمكن إصلاحه على حد وصفهم، ولذلك وافق القاضي على تأجيل تسليم هذه السجلات لكنه لم يلغِه.
وفي نفس الوقت خرجت شركة “بي بي سي ستوديوز BBC Studios” من القضية، بعدما وافق ترامب على إسقاطها من الدعوى. وكانت الشركة قد أكدت بأنها لم يكن لها دور في إنشاء الفيلم الوثائقي أو إنتاجه.
كما تراجع محامو ترامب عن جزء من ادعاءاتهم السابقة، بعدما أقروا بأنهم لا يملكون دليلاً على أن الفيلم الوثائقي كان معروضًا في الولايات المتحدة عبر خدمة “بريت بوكس BritBox“، أو عبر BBC.com أو BBC Select أو من خلال محطات بث أمريكية.
في النهاية، بالرغم من التغييرات السابقة، إلا أن القضية الأساسية لا تزال مستمرة، وأكثر ما ينتظره المتابعون لها الآن هو احتمالية نجاح المحكمة باستدعاء أفراد عائلة ترامب للشهادة، وبعد ذلك ستستمر إجراءات المحاكمة حتى فبراير 2027، لتكشف المحكمة عندها أين ينتهي الخطأ الإعلامي وأين يبدأ التشهير.
اقرأ أيضاً: استقالة تيم ديفي مدير عام بي بي سي.. غزة وترامب في قلب الانتقادات الموجهة له