حصن منيع تمرّد على الزمن، ليغدو اليوم ثاني أكبر قلاع المملكة المتحدة بعد قلعة “ويندسور” Windsor، “قلعة كايرفيلي” Caerphilly في منطقة ويلز، التي تحكي قصة طويلة عن الصراعات والطموح والنزاع على الأراضي، وقد أُعيد افتتاحها حديثاً بحلّة جديدة تليق بمكانتها التاريخية.
قصة تشييد قلعة كايرفيلي
تعود قصة قلعة كايرفلي إلى عام 1268، حيث بُنيت على يد اللورد النورماني “جيلبرت دي كلير” الملقب بالأحمر(Gilbert ‘the Red’ de Clare)، نسبةً للون شعره الناري، وهو أحد النبلاء الإنجليز الذين شكلوا ما يشبه الغزو على منطقة ويلز في ذلك الوقت.
ويأتي بناء القلعة ردّاً على تهديدات الأمير الويلزي “ليولين أب جروفود” Llewellyn ap Gruffud، أي بمثابة تجسيد لاستيطان وعمل عدائي يُفرض على أرض تابعة للويلزيين، لتكون مثالاً استثنائياً للحصون المنيعة التي شُيّدت غالبية أجزائها بسرعة تاريخية لا تتجاوز الثلاثة سنوات خلال القرون الوسطى (1268-1271).
هندسة عبقرية
تبلغ مساحة القلعة حوالي 30 فداناً، صُمّمت بذكاء معماري فريد تمثّل بإحاطتها بعدد من البحيرات الاصطناعية التي لها دور بارز في ردع العمليات الهجومية والآليات المتبعة في محاولات الحصار.
وفي الوقت الحاضر، تبرز القلعة كأحد أهم معالم بريطانيا، وتتميز بملمح عمراني استثنائي يتمثل ببرجها الجنوبي الشرقي المشهور باسم “برج ويلز المائل”، حيث ينحني بمقدار 10 درجات بسبب ما تعرضت له القلعة لاحقاً من هبوطات أرضية، ليشكل دليلاً حياً على دقة وعبقرية تصميم معماري بقي عصياً على الزمن لما يزيد عن سبعة قرون.
كما تُعتبر قلعة كايرفيلي أكبر قلعة في منطقة ويلز وثاني أكبر قلعة ضمن المملكة المتحدة بعد قلعة “ويندسور”Windsor Castle، وشكلت نقطة تحول في تاريخ الحصون البريطانية وفقاً لما وصفه المؤرخ “نورمان باوندز” Norman Pounds، فهي أول من أدخل النظام الهندسي القائم على الحصون المتداخلة ذات الأبواب الضخمة إلى إنجلترا.
تتباهى القلعة بجمالها المعماري الذي شكل بيئة مثالية لمحبي المغامرة وعشاق الاستكشاف التاريخي، حيث تمنح الزائر تجربة متعة الغوص في تفاصيل أبراجها العريقة، ومتاهاتها المثيرة، فضلاً عن مخبأ التنين وعظمة قاعتها ذات المساحة الشاسعة.
كما تقوم “كايرفيلي” على تصميم فريد لا مثيل له في المملكة المتحدة من قبل، يقوم على حلقة دائرية محكمة بمركز متّحد من الأسوار، ليكون بذلك شاهداً حياً على الهيمنة الأنجلو-نورمانية على منطقة ويلز.
اقرأ أيضاً: ضريبة السياحة في ويلز وتبعاتها
القلعة بحلتها الجديدة
تُدار قلعة كايرفيلي حالياً من قبل وكالة الآثار التاريخية الويلزية “كادو” Cadw، وقد أجريت عليها عدة عمليات ترميمية شاملة خاصة على ممراتها وأجزائها الداخلية وقاعتها الكبرى، ضمن مشروع تجديدي ضخم بإشراف وإدارة كادو، وأُعيد افتتاحها في نهاية عام 2025، وهي متاحة للزوار اليوم طوال العام، لاستكشاف معالمها الخلابة التي تتزين بإطلالة طبيعية ساحرة أثناء الصعود إليها.
وتتفنن بإقامة مجموعة واسعة من الفعاليات النوعية على مدار السنة، مثل العروض التي تستهدف إعادة محاكاة الأحداث التاريخية، إلى جانب المهرجانات الراقية والأسواق الفريدة.
كما تتيح للزوار فرصة المبيت والاستمتاع بتجربة زيارة لا تُنسى، حيث تتعدد الخيارات حول القلعة، فهناك الكثير من مواقع التخييم وبيوت الضيافة إضافة إلى الفنادق الفاخرة.
أما بالنسبة لطريقة الوصول إليها، فتتمتع بموقع استراتيجي يضم شبكة مواصلات مرنة، حيث تتوافر محطات الحافلات والقطار على مقربة منها، الأمر الذي يعزز من جاذبيتها كوجهة مثالية للعائلات وتجمع الأصدقاء.
تبقى قلعة كايرفيلي مثالاً غنياً يجمع بين فرادة القلاع المنيعة وهيبة التاريخ والأحداث التي شهدتها العصور الوسطى، ولا تزال عبقرية تصميمها محطّ أنظار العالم كمثال حيٍّ على براعة هندسية لا يمكن تخطيها عبر الزمن، لتصبح اليوم إحدى أهم الوجهات السياحية والتراثية في بريطانيا.
اقرأ أيضاً: الضيافة البريطانية تستغيث .. ما القصة؟