لا يزال كابوس البطالة يخيم على تفكير طلاب الجامعات حتى قبل تخرجهم، فمع ارتفاع نسبة البطالة إلى 5% خلال الأشهر الأخيرة، وتراجع وظائف الخريجين الجدد في المملكة المتحدة، بات العديد من الشباب أمام تحدٍّ تزداد صعوبته يوماً بعد يوم.
فقد بيّن تقرير حديث صادر عن معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR)، أن بعض الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عاماً يفقدون أملهم بمستقبلهم الوظيفي، مقارنةً بما كانوا عليه قبل نحو عشر سنوات.
وإذا كانتِ التحديات التقليدية تتمحور حول الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، فإن الوضع اليوم يأخذ شكلاً حديثاً وأكثر تعقيداً، أبرزها اعتماد أصحاب العمل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا سيما في الوظائف المبتدئة، ومحاولة الشركات التعامل مع حالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل، فهي تضطر إلى إعادة النظر في خططها لتلبية احتياجاتها من الموظفين والمهارات المطلوبة.
وهذا يأتي بالتزامن مع توارد معلومات عن استعداد عدد قياسي من الطلاب للالتحاق بالجامعات البريطانية في شهر سبتمبر، والذين يُقدّر عددهم بنحو 262820 طالباً.
وتكشف بيانات حديثة صادرة عن منصة التوظيف أدزونا (Adzuna) عن حجم هذا التحدي، فقد تراجعت الوظائف المعلنة للخريجين في المملكة المتحدة بشكل قياسي خلال عقد من الزمن، وفي هذا السياق يطرح السؤال نفسه: ما الذي يقف وراء هذا التراجع؟ وهل أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً يقلّص فرص دخول الخريجين إلى سوق العمل؟
تراجع وظائف الخريجين الجدد في المملكة المتحدة
يبدو أن سوق العمل البريطاني اليوم يعكس صورةً قاتمةً لخريجي الجامعات الجدد، فقد أكد مؤشر منصة أدزونا الإعلان عن 8383 وظيفة شاغرة للخريجين فقط في شهر يوليو 2026، مقارنةً بنحو 15397 وظيفة خلال الشهر ذاته من عام 2025.
أي أن هناك انخفاضاً بنسبة 45% على أساس سنوي، وهذا ما لا يمكن اعتباره تقلباً عابراً، فهو يشكل تراجعاً ملحوظاً في عدد الوظائف المبتدئة المهدد أصلاً بالذكاء الاصطناعي، وقد وصفته منصة أدزونا بأنه أدنى مستوى منذ بداية تتبع البيانات في أبريل 2016.
وبالمقارنة مع ذروة منتصف عام 2017، عندما تجاوز عدد الوظائف المعلنة للخريجين الجدد 55 ألف وظيفة، يتضح حجم التراجع الذي يمكن أن يُقال عنه شبه انهيار في الفرص المتاحة للخريجين، حيث لم يتجاوز العدد 8383 وظيفة في يوليو 2026، أي انخفاض بنحو 85% مقارنةً بتلك الذروة.
إذاً، يجد الخريجون الجدد أنفسهم وسط موجة من التحديات التي تقف عائقاً حقيقياً أمام دخولهم إلى سوق العمل، حيث تزداد صعوبة الحصول على أول فرصة مهنية، لعدة أسباب منها ما هو متعلق بالوضع الاقتصادي والتكاليف التشغيلية وأخرى تتعلق بالمنافسة المحتدمة.
الأسباب المحورية وراء تراجع وظائف الخريجين
لا يمكن الجزم بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب المباشر والوحيد لتراجع وظائف الخريجين الجدد في المملكة المتحدة، ولكن له دور كبير في تقليصها، فقد باتت الوظائف المبتدئة مهددة بالتكنولوجيا، لا سيما وأن العديد من الشركات تتجه نحو الاستثمار بالأتمتة وأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من التوظيف.
وفي الفترة الأخيرة، اضطر أصحاب العمل إلى تقليص عمليات التوظيف، كمحاولة للحد من ارتفاع التكاليف التشغيلية، لا سيما بعد الزيادات في مساهمات التأمين الوطني إلى جانب رفع الحد الأدنى لأجور العاملين.
كما رُصد لجوء بعض الشركات إلى الذكاء الاصطناعي لأنه أصبح أقل تكلفةً من التوظيف، حيث يُعتمد على هذه التقنيات لأداء مهام كانت توكل للموظفين المبتدئين في أغلب الأحيان.
وما يزيد الأمر سوءاً المنافسة التي تتزايد على وظائف الخريجين باستمرار، فقد ارتفع متوسط عدد الباحثين عن عمل لكل وظيفة شاغرة إلى 2.14 في يوليو، مقارنةً بنحو 1.93 في الشهر ذاته من العام الماضي.
إذاً، يبدو أن تراجع وظائف الخريجين الجدد في المملكة المتحدة يزداد حدةً، لا سيما مع ارتفاع التكاليف التشغيلية والاعتماد على الذكاء الاصطناعي للوظائف المبتدئة، إلى جانب اشتداد المنافسة، التي تؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تقليص فرص العمل المخصصة لهم.
وعلى الرغم من عدم تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية الأكبر لتضييق سوق العمل على المبتدئين، فإن توسع الشركات في الاستثمار بالأتمتة والتقنيات الحديثة، يجعل طريق الخريجين الجدد غير معبّد، حيث تبرز الحاجة إلى صقل مهاراتهم لتتناسب مع احتياجات سوق العمل الحديثة.
اقرأ أيضاً: 30 وظيفة في المملكة المتحدة لا تحتاج لشهادات علمية