وسط لحظة دولية مضطربة حتى مع وجود هدنة، تتقاطع الحسابات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية بشكل غير مريح للجميع، وكأن العالم قرر اختبار أعصاب البشر دفعة واحدة. تصريحات Keir Starmer الأخيرة لا تأتي من فراغ، بل من واقع يتشكل تحت ضغط تهديدات Donald Trump بالانسحاب من حلف الناتو، وتصاعد التوتر مع إيران، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية تطال حتى فواتير الطاقة اليومية للمواطنين.
الناتو في اختبار الثقة.. ستارمر يوضح
لم يعد حلف الناتو مجرد درع دفاعي تقليدي، بل أصبح ساحة اختبار للثقة عبر الأطلسي. تعكس انتقادات ترامب المتكررة للحلف واتهامات الحلفاء بالتقصير في الوفاء بالتزاماتهم نهجاً أمريكياً أكثر واقعية وموقفاً أقل صبراً تجاه ما تعتبره واشنطن “تقاعساً أوروبياً”. مع ذلك، يسعى ستارمر إلى التأكيد على أن الحلف لا يزال يخدم مصلحة مشتركة، ليس لأوروبا فحسب، بل للولايات المتحدة أيضاً.
لا تكمن المشكلة في وجود الحلف نفسه، بل في تحديد دوره وحدود التزاماته، نقاش قديم عاد إلى الواجهة بقوة أكبر تحت ضغط الأزمات المتصاعدة. بعيداً عن الخطابات السياسية، يتجلى الأثر الحقيقي للأزمة في ساحة أكثر إيلاماً، الاقتصاد.
إن إغلاق مضيق هرمز، ولو مؤقتاً، ليس مجرد عمل عسكري، بل هو تكتيك ضغط عالمي يعطل إمدادات الطاقة ويرفع الأسعار. في هذه المرحلة، يصبح استياء ستارمر من ارتفاع فواتير الخدمات مفهوماً، حتى وإن بدا للبعض تبسيطاً مفرطاً لوضع معقد. تعكس تصريحات جيه دي فانس بشأن المفاوضات مع طهران محاولة لاحتواء التصعيد، لكن الحقيقة هي أن أي زعزعة للاستقرار في الخليج تنعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، مما يجعل أمن الطاقة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
اقرأ أيضاً: هل يتحسن نمو قطاع الخدمات البريطاني بعد إيقاف الحرب؟
أوروبا بين الحاجة إلى الاستقلال والاعتماد على أمريكا
إن دعوة ستارمر للأوروبيين لزيادة مساهمتهم في حلف الناتو ليست جديدة، لكنها اليوم اتخذت منحى أكثر إلحاحاً. فأوروبا في وضع حرج. فهي من جهة، بحاجة إلى الدعم الأمريكي، ومن جهة أخرى، تدرك أن اعتمادها المفرط يجعلها عرضةً لعدم الاستقرار في ظل سياسات واشنطن. ويؤكد تقرير جون هيلي أن الخطاب البريطاني يسعى إلى طمأنة الجماهير المحلية والدولية على حد سواء، لكن الواقع يطرح تساؤلاً أوسع، هل تستطيع أوروبا بناء قدرة دفاعية مستقلة حقاً، أم ستبقى رهينةً لقوة أمريكية عظمى؟ ويبدو أن الإجابة لا تزال غير متوفرة في دقة فالعالم اليوم يتغير في ثواني معدودة.
في هذا المشهد المعقد، لم يعد حلف الناتو كياناً ثابتاً يمكن الاعتماد عليه دون تحفظ، بل أصبح جزءاً من معادلة متغيرة تحكمها المصالح والضغوط الاقتصادية والسياسية. وبين تهديدات ترامب ومحاولات ستارمر للحفاظ على تماسك الحلف، تواجه أوروبا قراراً صعبًا: إما إعادة تعريف دورها وتعزيز استقلالها، أو الاستمرار في التكيف مع وتيرة السياسة الأمريكية.
باختصار، ما يحدث لا يحدد مستقبل حلف الناتو فحسب، بل يشكل أيضاً خصائص نظام دولي جديد، نظام سيصبح أكثر اضطراباً واعتماداً على توازن القوى… نظام لا يمنح أحداً رفاهية الحياد، حتى لو كان الجميع يرغب فيه.