بنت دول الخليج العربي امبراطوريات اقتصادية قائمة على النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل. وقد ساعدت هذه الموارد دولاً مثل قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة على تحقيق مستويات معيشية مرتفعة. كما استثمرت هذه الدول في السياحة والتكنولوجيا والرياضة من أجل تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
لكن منطقة الخليج تبقى معرضة للتوترات السياسية والعسكرية بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها في سوق الطاقة العالمي. ومع تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل واشتراك أمريكا في الحرب، بدأت اقتصادات الخليج تواجه ضغوطاً كبيرة أثرت على الطاقة والتجارة والسياحة والاستثمار، وأثارت مخاوف من حدوث أزمة اقتصادية طويلة المدى.
تطور الاقتصاد القطري وأزمة قطاع الغاز
في بداية التسعينيات كانت قطر تمر بظروف اقتصادية صعبة بسبب ارتفاع الديون وضعف إيرادات الدولة. ولهذا قررت الحكومة الاستثمار في الغاز الطبيعي الموجود بكميات ضخمة في البحر، خاصة في حقل القبة الشمالية، الذي يُعد من أكبر حقول الغاز في العالم.
اعتمدت قطر على تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز طبيعي مسال يمكن نقله بالسفن إلى دول مختلفة حول العالم. ومن أجل ذلك، أنشأت مدينة رأس لفان الصناعية التي أصبحت مع الوقت أكبر مركز عالمي لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وساهم هذا المشروع في تحويل قطر إلى واحدة من أغنى دول العالم، كما أصبحت شركة قطر للطاقة من أهم شركات الطاقة عالمياً.
لكن هذا النجاح تعرض لهزة قوية بعد الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في مارس الماضي. فقد تسبب الهجوم في خسائر كبيرة لشركة قطر للطاقة، وصلت إلى نحو 20 مليار دولار، بالإضافة إلى تعطل صادرات الغاز إلى بعض الأسواق المهمة في آسيا مثل الصين.
وقال سعد الكعبي، الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، إن حجم الأضرار أعاد المنطقة اقتصادياً إلى الوراء ما بين 10 و20 عاماً. كما أوضحت الباحثة كارين يونغ Karen Young من مركز سياسات الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا Columbia أن الهجوم تسبب في صدمة كبيرة لأسواق الطاقة ولدول الخليج بشكل عام.
وترتبط هذه الأزمة بحقل جنوب فارس الإيراني، الذي يقع بالقرب من حقل القبة الشمالية القطري، حيث يشكل الحقلان معاً أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم. وبعد تعرض الجزء الإيراني للقصف، ازدادت المخاوف من توسع الأضرار في المنطقة.
أزمة الطاقة وإغلاق مضيق هرمز
أدت الحرب إلى أضرار كبيرة في منشآت الطاقة الخليجية. وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 80 منشأة تعرضت للقصف، وأن أكثر من ثلث هذه المنشآت تعرض لأضرار شديدة. وشملت الأضرار قطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
كما خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصاد الشرق الأوسط إلى 1.8% هذا العام بسبب الحرب، بعد أن كانت التوقعات السابقة تشير إلى نمو يصل إلى 4% في عام 2026. وأوضح البنك أن قطر والكويت من أكثر الدول المتوقع تأثرها بالأزمة.
ومن أهم أسباب الأزمة الاقتصادية إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من صادرات النفط والغاز في العالم. ويعتبر هذا المضيق الطريق الرئيسي لنقل الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية.
وبسبب إغلاقه، اضطرت السعودية إلى استخدام خط الأنابيب الشرقي ـ الغربي لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما استخدمت الإمارات خط أنابيب الفجيرة لتجاوز المضيق. لكن هذه البدائل لا تستطيع نقل كل الكميات المعتادة من النفط والغاز.
ووصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه “أكبر أزمة طاقة في التاريخ”، بينما حذر وزير المالية القطري من أن التأثيرات الاقتصادية للحرب قد تكون أكبر خلال الفترة القادمة.
ويرى بدر السيف، الأستاذ في جامعة الكويت والزميل في مركز تشاتام هاوس Chatham House، أن الأزمة الحالية قد تدفع دول الخليج إلى بناء خطوط أنابيب جديدة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، خاصة أن أي تهديد للمضيق يسبب خسائر اقتصادية كبيرة.
تأثير الأزمة على السياحة والاستثمار
لم تتأثر الطاقة فقط بالحرب، بل امتدت الأضرار إلى السياحة والسفر والاستثمار. فقد أعلن المجلس العالمي للسياحة والسفر أن الشرق الأوسط يخسر نحو 600 مليون دولار يومياً من عائدات السياحة منذ بداية الحرب.
وتعد الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول تأثراً، خاصة مدينة دبي التي تعتمد بشكل كبير على السياحة والخدمات الفندقية. فقد انخفضت الحجوزات السياحية بشكل واضح، كما تراجعت أعداد الزوار وازدادت حالات إلغاء الرحلات، مما أدى إلى خسائر مالية وفقدان بعض الوظائف.
كما ظهرت مخاوف بشأن النظام المالي والسيولة بالدولار الأمريكي. وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump إلى أن الولايات المتحدة تدرس توسيع خطوط مقايضة العملات مع بعض دول الخليج، ومنها الإمارات، بهدف تسهيل حصول البنوك المركزية على الدولار. لكن يوسف العتيبة سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، أكد أن الحديث عن حاجة الإمارات إلى دعم مالي خارجي غير دقيق.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك OPEC، وهو ما يمنحها حرية أكبر في زيادة صادرات النفط دون الالتزام بقيود المنظمة.
وقد تؤثر الأزمة أيضاً على خطط التنويع الاقتصادي في الخليج، حيث تستثمر السعودية والإمارات مليارات الدولارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والرياضة والترفيه. إلا أن استمرار الحرب قد يدفع الحكومات إلى توجيه أموالها نحو إصلاح الأضرار الاقتصادية بدلاً من الاستثمار في المشاريع الجديدة.
في النهاية، أظهرت الأزمة الحالية أن اقتصادات الخليج ما زالت مرتبطة بشكل كبير باستقرار المنطقة وأمن طرق تصدير النفط والغاز. فمع استمرار الصراع الإيراني الأمريكي، تواجه دول الخليج تحديات اقتصادية كبيرة تشمل الطاقة والسياحة والاستثمار والتجارة. وعلى الرغم من الإمكانات المالية الضخمة التي تمتلكها هذه الدول، فإن استمرار التوترات قد يبطئ خطط التنمية ويزيد من الضغوط الاقتصادية في المستقبل.
اقرأ أيضاً: هل يتحسن نمو قطاع الخدمات البريطاني بعد إيقاف الحرب؟