رياضة
كيف أسقط الويفا خصخصة كأس العالم؟
نشر
منذ شهر واحدفي
404 مشاهدة
By
ahmed.ali
احتاجت خطة جياني إنفانتينو Gianni Infantino أربعة أيام فقط كي تنتقل من مشروع تُقدّر قيمته بعشرين مليار دولار إلى بيان انسحاب مقتضب. أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا FIFA» في 28 يوليو 2026 إنشاء شركة جديدة تضم الحقوق التجارية وتشغيل بطولاته، وعرض بيع حصة تصل إلى 20% منها لمستثمرين من القطاع الخاص. مساء 31 يوليو قال إنفانتينو إن المشروع لن يستمر، بعدما هدد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «الويفا UEFA» بمقاطعة كأس العالم وجميع مسابقات «فيفا».
لم تكن الخطة بيعاً مباشراً للبطولة أو نقل ملكية قراراتها الرياضية إلى شركة استثمار. كان المقترح يفصل جانباً واسعاً من أعمال «فيفا» التجارية والتنفيذية داخل كيان يحمل اسم «فيفا فوروارد إنتربرايز FIFA Forward Enterprise»، مع إبقاء السيطرة الرسمية وقرارات اللوائح والروزنامة بيد الاتحاد الدولي. المشكلة ظهرت في ما ستمنحه الحصة المالية للمستثمرين من حق دائم في العائد، وفي الطريقة التي أُعد بها المشروع، ثم في السرعة التي طُلب بها من الاتحادات الوطنية الموافقة عليه.
خصخصة كأس العالم في أربعة أيام
بدأت الفكرة قبل الإعلان العلني. تحدث إنفانتينو في مؤتمر «فيفا» خلال أبريل عن إطلاق الإمكانات التجارية للاتحاد، ثم أعاد طرح الاتجاه عشية نهائي كأس العالم 2026 في نيويورك. وفي 28 يوليو قدمت «فيفا» النموذج كاملاً، وقالت إن الشركة الجديدة ستجمع حقوق البث والرعاية والتذاكر والترخيص مع العمليات الخاصة بتنظيم بطولات الرجال والنساء والفئات العمرية.
قدرت «فيفا» قيمة الشركة الأولية بعشرين مليار دولار، وخططت لجمع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار مقابل حصة أقلية غير مسيطرة تبلغ نحو 20%. كانت شركة «ثرايف إترنال Thrive Eternal» التي أسسها جوشوا كوشنر Joshua Kushner مرشحة لقيادة مجموعة المستثمرين، بينما عمل بنك «جيه بي مورغان J.P. Morgan» مستشاراً للعملية، وشارك غريغ مافي Greg Maffei، الرئيس السابق لشركة «ليبرتي ميديا Liberty Media»، في تقديم المشورة التجارية.
ربطت «فيفا» الصفقة بزيادة كبيرة في تمويل اتحاداتها الأعضاء وعددها 211 اتحاداً. تضمن العرض إتاحة عشرين مليون دولار لكل اتحاد بصورة اختيارية للمشروعات الخاصة، ثم رفع مخصصات برنامج «فيفا فوروارد» في دورة 2027 إلى 2030 من ثمانية ملايين إلى عشرين مليون دولار، مع زيادات لاحقة في الدورات التالية. وقدمت المؤسسة المشروع باعتباره وسيلة لتوفير أكثر من عشرة مليارات دولار لتطوير الملاعب والتدريب والمنتخبات وكرة القدم النسائية والقاعدية.
أعطى هذا الجانب الخطة قوة تفاوضية واضحة. كثير من الاتحادات الصغيرة تعتمد على تحويلات «فيفا» لتمويل نشاطها، وكان المبلغ المعروض أكبر من مواردها المحلية في حالات كثيرة. لكن زيادة التمويل لم تُرفق عند الإعلان بتفاصيل كافية عن حقوق المستثمرين وطريقة تسعير الحصة وقواعد خروجهم أو إعادة بيعها، ولم تُنشر دراسة مستقلة تشرح أثر التزام الشركة بتحقيق العائد على شكل البطولات وعدد المباريات وأسعار التذاكر والعقود التجارية.
قالت «فيفا» إنها ستحتفظ بأغلبية مجلس إدارة الشركة، وبالسلطة الحصرية على المنافسات والروزنامة والقرارات الرياضية، وإن المستثمرين لن يشاركوا في التشغيل اليومي. هذه الضمانات تحد من السيطرة المباشرة، لكنها لا تلغي الضغط الاقتصادي. المستثمر الذي يدفع مليارات الدولارات يطلب نمواً في قيمة حصته وتوزيعات أو مخرجاً مربحاً، ويصبح توسيع البطولات وزيادة المباريات ورفع العائد التجاري وسائل متوقعة لتحقيق ذلك حتى لو بقي القرار النهائي لدى «فيفا».
زادت حساسية المقترح لأن الاتحاد الدولي مؤسسة غير ربحية تحقق أصلاً إيرادات ضخمة من كأس العالم. أعلنت «فيفا» قبل البطولة أن جميع حزم الرعاية العالمية لكأس العالم 2026 بيعت، وأن البرنامج حقق أعلى إيراد رعاية لحدث رياضي منفرد. لذلك لم يكن الخلاف حول وجود المال في اللعبة، بل حول الحاجة إلى بيع حصة دائمة في أصل يدر دخلاً متزايداً مقابل سيولة تُنفق الآن.
كيف حوّل الويفا الاعتراض إلى حصار
صدر أول رد من «الويفا» في يوم الإعلان نفسه. ركز البيان على غياب الشفافية وسأل من سيحقق المكسب المالي، ثم رفض اعتبار «فيفا» مالكاً يستطيع بيع حقوق ترتبط بالمنتخبات والاتحادات والجمهور. كان الرد قصيراً، لكنه نقل النقاش من تفاصيل التقييم المالي إلى مسألة الولاية على كأس العالم، وهي بطولة لا تستطيع «فيفا» تنظيمها من دون مشاركة الاتحادات القارية والوطنية.
أصبحت المعارضة حاسمة بعد اجتماع طارئ في 30 يوليو. صوتت الاتحادات الأوروبية الخمسة والخمسون بالإجماع على مقاطعة جميع بطولات «فيفا» ما دام المقترح قائماً، وطالبت بسحبه كاملاً وتقديم ضمانات ملزمة بألا تُفتح ملكية المسابقات والحوكمة أمام المستثمرين مستقبلاً. لم يعد الموقف بياناً أخلاقياً يمكن تجاوزه، بل تهديداً قابلاً للتنفيذ يبدأ من بطولة العالم للشابات تحت عشرين عاماً في بولندا ويمتد إلى كأس العالم للرجال والنساء.
يمتلك «الويفا» قدرة استثنائية على تنفيذ هذا النوع من الضغط. أوروبا تضم عدداً كبيراً من المنتخبات الأعلى تصنيفاً، وتوفر جزءاً أساسياً من القيمة الرياضية والبث التلفزيوني والرعاية في كأس العالم. كما أن إسبانيا والبرتغال شريكتان في استضافة نسخة 2030. غياب المنتخبات الأوروبية كان سيحول البطولة إلى منتج مختلف ويضع العقود التجارية والناقلين والمضيفين أمام أزمة لا يمكن تعويضها بمجرد استبدال فرق بأخرى.
ساعد التصويت بالإجماع على إغلاق باب المناورة الثنائية. لم تستطع «فيفا» فصل اتحادات كبرى عن أخرى أو تقديم تعديل محدود لبعضها، لأن القرار ربط المشاركة الأوروبية بموقف جماعي. كما حمى الاتحادات الوطنية من تحمل الكلفة السياسية منفردة، فالمنتخب الذي يقاطع باسم قرار قاري مشترك يواجه ضغطاً داخلياً أقل من اتحاد ينسحب وحده من كأس العالم.
لم يكن موقف «الويفا» بعيداً عن صراع النفوذ داخل كرة القدم. يدير الاتحاد الأوروبي مسابقات أندية تحقق مليارات اليوروهات، وتتنافس مصالحه مع «فيفا» على الروزنامة ووقت اللاعبين والجمهور والإيرادات. لذلك يمكن قراءة اعتراضه بوصفه دفاعاً عن الحوكمة وعن موقع أوروبا في آن واحد. لكنه لم يعترض على التجارة أو على فصل العمليات التجارية في شركات متخصصة، وهي ممارسة يعرفها بنفسه، بل اعترض على إدخال مساهمين خارجيين إلى كيان يشمل مسابقات المنتخبات وعلى إعداد المشروع من دون مشاركة المؤسسات التي توفر مادته الرياضية.
اتسعت الجبهة بعد الخطوة الأوروبية. رفض اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف CONCACAF» المقترح بسبب غياب الإجراءات السليمة وقصر المدة وعدم مراجعته من هيئات «فيفا» المختصة. وقال الاتحاد الآسيوي إن قيادته لم تُستشر قبل الإعلان، وإن مشروعاً بهذا الحجم لا يمكن أن ينجح من دون دعم الاتحادات القارية الستة. بهذه المواقف خسر إنفانتينو إمكان تقديم الرفض باعتباره اعتراضاً أوروبياً مصدره المنافسة القديمة.
وصل الخلاف أيضاً إلى داخل «فيفا». استقال المستشار البارز كارلوس كورديرو Carlos Cordeiro في 31 يوليو، وقال إن بيع الحصة يرهن مستقبل اللعبة. وبعده أعلن مدير العمليات كيفن لامور Kevin Lamour أن الموظفين والإدارة لم يطلعوا على المشروع بصورة صحيحة، ووصفه بأنه مشروع شخص واحد. لم تكن الاستقالة والرسالة سبباً منفرداً في إسقاط الصفقة، لكنهما دعمتا حجة «الويفا» بأن أزمة العملية تتعلق بطريقة اتخاذ القرار بقدر تعلقها بالمحتوى.
مساء اليوم نفسه أعلنت «فيفا» وقف المشروع. لم يقل بيان إنفانتينو إن التقييم المالي خاطئ أو إن بيع الحصة غير قانوني، بل أقر بأن الانقسامات التي أحدثها المقترح لم تعد تخدم هدفه. كان هذا اعترافاً بأن الصفقة فقدت شرطها السياسي، لأن قيمتها المفترضة تعتمد على استمرار الاتحادات والمنتخبات في تقديم المباريات التي تولد الحقوق التجارية.
فشل الصفقة وبقاء السوق
فشل مشروع «فيفا فوروارد إنتربرايز» قبل أن يصل إلى تصويت الاتحادات أو مجلس «فيفا». وهذا يعني أن المستثمرين لم يشتروا أسهماً، ولم تنشأ الشركة بالشكل المقترح، ولم تُحوّل حقوق كأس العالم إلى ملكية خاصة. المصطلح الشائع عن «بيع كأس العالم» يختصر الخطر السياسي، لكنه قد يوحي بصفقة تمت فعلاً، بينما الموجود كان خطة لجمع حقوق وعوائد البطولات في شركة وبيع حصة أقلية فيها.
تكشف السرعة التي انهار بها المشروع خللاً في ترتيب العملية. بدأت «فيفا» بالرقم الكبير وبالعائد الذي سيصل إلى الاتحادات، قبل بناء موافقة القارات ونشر الوثائق القانونية والمالية. كما وضعت مهلة قصيرة للموافقة على نموذج تتجاوز آثاره دورة انتخابية واحدة، وتربط أصولاً تمتد قيمتها لعقود بمستثمرين لم تُعلن قائمتهم الكاملة. أدى ذلك إلى انتقال النقاش فوراً من جدوى الصفقة إلى شرعية من يقررها.
كان لدى «فيفا» سؤال حقيقي تحاول الإجابة عنه. تحتاج مئات الاتحادات إلى تمويل لا تستطيع أسواقها المحلية توفيره، فيما تتركز الأرباح الأكبر في أوروبا وبعض الاقتصادات الكبيرة. ويمكن لرأس المال المقدم أن يبني منشآت ويطلق بطولات خلال سنوات بدلاً من انتظار تراكم العائد. لكن الحل المقترح كان يسحب جزءاً من الإيرادات المستقبلية ويضعه داخل علاقة دائمة مع مساهمين، من دون إثبات أن القرض أو استخدام الاحتياطيات أو زيادة التوزيع عبر البرنامج القائم أقل كفاءة.
استند «الويفا» بعد الانسحاب إلى هذه النقطة، فأشار إلى احتياطيات لدى «فيفا» تتجاوز خمسة مليارات دولار، وأعلن أنه سيعمل مع اتحادات وقارات أخرى على نموذج جديد لتوزيع الموارد عبر برنامج «فيفا فوروارد» القائم. إذا قدم بديلاً يرفع التمويل من دون بيع حصة، يكون قد نقل معارضته من تعطيل المشروع إلى معالجة حجته الأساسية. أما إذا بقي التمويل عند مستوياته السابقة، فستعود «فيفا» إلى سؤال الفجوة بين ثراء البطولة وحاجة الاتحادات الصغيرة.
لم ينته الخلاف بسحب الورقة. أعلن «الويفا» فقدان الثقة بالقيادة الحالية وطالب بمراجعة شاملة لكيفية إعداد المقترح، وقال إن جميع الخيارات يجب أن تبقى مطروحة. وتأتي الأزمة قبل انتخابات رئاسة «فيفا» المقررة في مارس 2027، ما يجعلها اختباراً لقدرة إنفانتينو على الحفاظ على تحالفه الواسع داخل الاتحادات الوطنية. الدعم الذي بناه عبر برامج التمويل ما زال مهماً، لكن معارضيه حصلوا للمرة الأولى على واقعة تجمع مشكلات الشفافية والحكم الفردي والمال في ملف واحد.
يبقى الجانب الأوسع الذي أشار إليه مقال «ذا نيويوركر The New Yorker». تراجعت «فيفا» عن بيع الحصة، لكن كرة القدم لم تعد خارج منطق السوق. حقوق البث والرعاية والتذاكر والضيافة والمنتجات الرقمية تباع بأعلى الأسعار، وشركات الاستثمار تدخل الأندية والدوريات، وأسواق التوقع والمراهنات تحول متابعة المباراة إلى تداول لحظي. لم تبدأ سلعة كرة القدم مع الشركة المقترحة، وإنما كانت الخطة محاولة لجمع أجزاء السوق القائمة في أصل مالي واحد يمكن تسعيره وبيع جزء منه.
يحد هذا الواقع من اللغة التي قدم بها «الويفا» نفسه حارساً لروح اللعبة. مسابقاته الأوروبية توسعت بدورها، وارتفعت مبارياتها وعوائدها، وتقوم بنيتها على عقود بث ورعاية بالغة القيمة. الفارق الذي دافع عنه هو بقاء المؤسسات الرياضية مالكة للحقوق والعائد، وعدم إدخال مساهم يملك مطالبة قانونية دائمة بالربح. هذا فارق فعلي في الحوكمة، وإن لم يكن فاصلاً بين كرة قدم تجارية وأخرى غير تجارية.
توضح التجربة لماذا كان دور «الويفا» مركزياً. البيان الأول حدد المشكلة، لكن قرار الاتحادات الخمسة والخمسين هو الذي رفع كلفة الاستمرار إلى مستوى لا تتحمله «فيفا» أو المستثمر. انضمت القارات الأخرى والقيادات الداخلية بعد ذلك، فتحولت الصفقة من عرض مالي مغرٍ إلى أزمة ثقة عالمية. لم يهزم «الويفا» المشروع بالحجة وحدها، بل بالقدرة على سحب الفرق التي تمنح كأس العالم جزءاً كبيراً من قيمته.
انتهت محاولة خصخصة كأس العالم قبل بيع أي سهم، وبقيت الأسئلة التي أطلقتها. من يقرر استخدام الحقوق التجارية للبطولات، وكيف تُوزع ثروتها، وما الحد الذي يفصل تطوير الإيرادات عن إخضاع المنافسة لضغط المستثمر؟ أثبتت الأيام الأربعة أن «فيفا» لا تستطيع تحويل كأس العالم إلى أصل استثماري من دون موافقة من يصنعون البطولة. أما منع عودة الفكرة بصيغة أخرى فيحتاج إلى قواعد شفافة، لا إلى انتصار مؤقت في صراع المؤسسات.
اقرأ أيضاً: الفيفا تصدر تصنيفاتها لكأس العالم: ما ترتيب المنتخبات العربية؟
بريطانيا تعاني نقص الماء وهي تفقد نهراً تحت الأرض!
بريطانيا تحذر الأسر من اضطرابات الغذاء وتدعو لتخزين المؤن
لندن تدفع أكثر لتستدين.. خلل قديم يعود في هيئة أزمة سندات جديدة
أسعار العقارات ترتفع قرب المتنزهات الوطنية في بريطانيا.. والطبيعة لها ثمن
بريطانيا تبحث عن آسيا بعد أوروبا.. التجارة ترسم خريطة ما بعد بريكست
ارتفاع عوائد السندات في بريطانيا يهدد هامش الحكومة المالي قبل الموازنة
من طفلة تعشق الطقس إلى جرو مشاغب.. هذه أسماء عواصف بريطانيا للعام الجديد
شركة تنهار ثم يشتريها مديرها وتنهار مجدداً.. كيف يعمل اقتصاد الـPhoenix في بريطانيا؟
هل يشمّ الأطفال أفضل من البالغين؟
