مع انخفاض معدل المواليد في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، تواجه المدارس تحدياً جديداً كان من المستحيل تصوره قبل عقد من الزمن، ازدياد عدد الفصول الدراسية والمباني غير المستخدمة. ورغم أن هذا قد يبدو سيناريو ينذر بإغلاق المزيد من المدارس، إلا أن الحكومة البريطانية اتخذت نهجاً مختلفاً: إعادة توظيف هذه المساحات لخدمة المجتمع. يجري تحويل الفصول والمباني إلى مراكز شبابية وعيادات صحية ومراكز دعم أسري، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على دور المدارس كجزء لا يتجزأ من المجتمع، حتى مع انخفاض أعداد الطلاب.
انخفاض معدلات المواليد يغير ملامح التعليم في بريطانيا
من المتوقع أن ينخفض عدد الأطفال دون سن 16 عاماً في إنجلترا بنسبة 6% تقريباً خلال العقد القادم. يؤثر هذا بالفعل على المدارس الابتدائية، التي فقدت عشرات الآلاف من التلاميذ منذ عام 2019، ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع في السنوات المقبلة. أدت هذه التخفيضات إلى فائض في الفصول الدراسية والمرافق التعليمية، مما أثار مخاوف من إمكانية إغلاق مئات المدارس، لا سيما في المناطق التي تشهد انخفاضًا مستمرًا في عدد السكان.
بدلاً من ترك المباني التعليمية مهجورة، أطلقت وزارة التعليم البريطانية مشروعاً تجريبياً يهدف إلى تحويل الفصول الدراسية الفارغة إلى مرافق مجتمعية تلبي احتياجات السكان. تشمل الاستخدامات المقترحة نوادي الشباب، والمراكز الصحية، ومراكز دعم الأسرة، بالإضافة إلى خدمات اجتماعية أخرى يمكن أن تستفيد من البنية التحتية المدرسية القائمة دون الحاجة إلى مبانٍ جديدة. يؤمن المشروع بأن المدارس يمكن أن تظل مؤسسات اجتماعية فاعلة حتى خارج ساعات الدوام، لتصبح مراكز تقدم مجموعة متنوعة من الخدمات للسكان.
اقرأ أيضاً: رسوم المدارس الخاصة والقطاع العام: هل فشل سيناريو “نزوح” الطلاب؟
التمويل الأولي والمشروع التجريبي.. هل ينقذ الطلاب؟
خصصت الحكومة البريطانية ما يقارب 2.1 مليون جنيه إسترليني لإطلاق مرحلة تجريبية، بمشاركة العديد من السلطات المحلية في جميع أنحاء إنجلترا، لاستكشاف أفضل السبل لاستخدام المساحات الفائضة، وفقاً لاحتياجات كل منطقة. ستضع كل سلطة محلية خطتها الخاصة، سواءً لتحويل المباني إلى مراكز شبابية، أو مراكز صحية، أو مراكز خدمات أسرية. وستُستخدم نتائج المشروع التجريبي في تطوير سياسة وطنية أوسع نطاقاً في المستقبل.
تتجاوز أهمية المشروع مجرد الاستفادة من المباني غير المستخدمة. سيساهم ذلك أيضاً في زيادة الخدمات المحلية وتقريبها من السكان، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى المراكز المجتمعية أو الصحية. كما يمكن لهذه المبادرة أن تخفف العبء المالي لصيانة المباني التعليمية غير المستخدمة، مع ضمان استمرارية توفرها في حال تغير التركيبة السكانية وزيادة أعداد الطلاب.
تحديات التنفيذ تلوح في الأفق.. ما مصير الطلاب في بريطانيا؟
على الرغم من الترحيب بالفكرة، يؤكد الخبراء أن نجاحها يعتمد على التخطيط الدقيق. يجب ألا يؤدي تحويل المرافق إلى تقليل قدرة المدارس على استيعاب النمو الطلابي المستقبلي، خاصةً مع ارتفاع معدل المواليد. يتطلب المشروع أيضاً تنسيقاً وثيقاً بين إدارات التعليم والسلطات المحلية، بالإضافة إلى إشراك المجتمعات المحلية في تحديد الخدمات اللازمة لكل منطقة.
تمثل التجربة البريطانية تحولًا في فهم المؤسسات التعليمية. لم تعد المدارس مجرد أماكن للتعلم، بل يمكن أن تصبح مراكز تقدم خدمات اجتماعية وصحية وثقافية تلبي احتياجات المجتمع على مدار العام. بالنظر إلى التغيرات الديموغرافية التي تشهدها العديد من البلدان، يمكن أن تكون هذه المبادرة نموذجاً لكيفية إدارة الطاقة الفائضة في الهيكل التعليمي وتحويلها إلى فرصة لدعم التنمية المحلية، بدلاً من أن تكون عبئاً على المؤسسات التعليمية.