إيريك ألتر Eric Alter – لندن – في النقاش السياسي البريطاني، لا يُستدعى اسم Winston Churchill بوصفه مجرد رمز تاريخي، بل كأداة لقراءة الحاضر وفهم حدود القوة السياسية في زمن الحرب. تجربة بريطانيا خلال الحربين العالميتين لا تقدّم فقط سردية انتصار، بل تكشف أيضاً عن أخطاء استراتيجية مكلفة، وعن فجوة متكررة بين كسب المعركة وإدارة ما بعدها.
اليوم، ومع تصاعد التوترات الدولية واتساع نطاق الصراع المرتبط بإيران، يعود هذا الإرث البريطاني إلى الواجهة، ليس من داخل لندن فحسب، بل عبر الطريقة التي يُستحضر بها في الخطاب السياسي الأمريكي. حين حاول Donald Trump استخدام تشرشل كمعيار لمهاجمة موقف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر Keir Starmer، فتح دون قصد باباً لمقارنة أعمق: ليس بين قادة، بل بين لحظتين تاريخيتين تتكرران في بنيتهما.
قبل أسبوعين من إطلاق عملية «الغضب الملحمي Epic Fury»، وقف ترامب أمام الكونغرس متباهياً بأن أسعار البنزين «أقل من 2.30 دولار للغالون في معظم الولايات».
كان ذلك هو حجته الختامية للانتخابات النصفية، الرسالة التي يستطيع الناخب أن يشعر بها قبل أن يفهمها. اليوم، يبلغ المتوسط الوطني 3.70 دولاراً ويواصل الارتفاع. تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع. وقد لخّص السيناتور راند بول Rand Paul الأمر بوضوح: عند هذه الأسعار «ستشهدون انتخابات كارثية».
في هذا السياق، وصف ترامب رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer بأنه «ليس ونستون تشرشل»، بسبب رفضه الالتزام بإرسال قوات بريطانية إلى الحرب. أراد ترامب بذلك التقليل من شأنه، لكنه في الواقع قدّم حجة معاكسة؛ لأن مسيرة تشرشل، إذا قُرئت خارج الأسطورة، تشكّل التحذير الأدق من الحرب التي يخوضها ترامب اليوم.
ليس تحذيراً واحداً، بل تحذيران، يسيران في اتجاهين مختلفين.
في شباط 1915، كان تشرشل اللورد الأول للأميرالية. كان يعتقد أن الإمبراطورية العثمانية، إذا ضُربت بقوة وفي النقطة الصحيحة، ستنهار. كان مضيق الدردنيل هو تلك النقطة. الفكرة أن اختراقه سيسمح لبريطانيا بإمداد روسيا، وتخفيف الضغط عن الجبهة الغربية، وربما تقصير الحرب لسنوات.
بدأ الهجوم البحري في آذار. دمّرت الألغام سفينة تلو الأخرى. وعندما فشل الأسطول، نزلت القوات إلى غاليبولي — على شواطئ مختلفة عن المخطط لها، وبجدول متأخر. بعد ثمانية أشهر، تم إجلاء الناجين. عشرات الآلاف قُتلوا. أُقيل تشرشل من منصبه وأُبعد إلى المقاعد الخلفية.
لم تكن المشكلة في طموح الخطة، بل في افتراضها المركزي: أن مقاومة العثمانيين ستنهار بسرعة كافية لتتفوق عليها اللوجستيات والإرادة السياسية البريطانية. عندما سقط هذا الافتراض في اليوم الأول، لم يكن هناك ما يسنده. الحملة بأكملها كانت قائمة على سلوك متوقع للخصم.
بعد ثلاثة أسابيع من عملية «الغضب الملحمي»، يتصدع الافتراض ذاته. أعلن البيت الأبيض أن القدرة الصاروخية الباليستية لإيران «دُمّرت عملياً».
لكن الأحد الماضي، صرّح وزير الخارجية الإيراني أن حكومته «لم تطلب وقف إطلاق نار، ولم تطلب حتى التفاوض» — في تناقض مباشر مع ادعاء ترامب بأن طهران مستعدة للاتفاق. ثم تبيّن أن إدارة ترامب أرسلت رسائل خاصة لاستئناف المحادثات، وأن إيران لم ترد.
نظام صمد لأربعة عقود من العقوبات، وجولتين من الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، واغتيال قيادته العليا، ليس نظاماً على وشك الانهيار. مضيق هرمز مغلق. ضربات «قطع الرأس» لم تُنتج التفكك الذي تتطلبه الحملة.
إذا لم يحدث هذا التفكك — ولا شيء خلال ثلاثة أسابيع يشير إلى أنه سيحدث — فإن الخيارات تضيق إلى ثلاثة: توسيع الحرب، أو تحمّل تكلفة مفتوحة زمنياً، أو الخروج بشروط ترسل إشارة لكل حكومة تراقب بأن الصمود الطويل يتغلب على القوة العسكرية الأمريكية.
لكن تشرشل، في النهاية، انتصر. وهذه هي النقطة التي يتم تجاهلها في استدعائه اليوم. لقد انتصر بشكل كامل، ومع ذلك خسر سياسياً.
في تموز 1945، بعد ثلاثة أشهر فقط من استسلام ألمانيا، صوّت الناخب البريطاني لإخراج تشرشل من السلطة. كان في بوتسدام عندما ظهرت النتائج. حصل حزب العمال على 393 مقعداً، مقابل 213 للمحافظين. الرجل الذي نُسب إليه إنقاذ الحضارة الغربية لم يتمكن من الفوز في انتخابات بلاده.
التفسير ليس معقداً. لم يكن الناخب البريطاني ناكراً للجميل، بل عملياً. ست سنوات من الحرب استهلكت كل شيء: المال، الموارد، الصبر، وحتى افتراض عودة الحياة الطبيعية قريباً.
لم يستطع تشرشل تقديم ما يأتي بعد الحرب، لأنه لم يكن قائداً لذلك النوع من المرحلة. كان مناسباً لحالات الطوارئ، للمواجهة، للحظة التي تفشل فيها كل أنماط التفكير التقليدي. أما Clement Attlee فكان مناسباً لبناء التحالفات وإدارة المشاريع الكبرى عبر المؤسسات. الناخبون فهموا الفرق.
اليوم، لا يدعم سوى 29 في المئة من الأمريكيين الضربات على إيران، بما في ذلك أقل من نصف الجمهوريين. ارتفعت أسعار الوقود بمقدار 1.40 دولار خلال ثلاثة أسابيع. ولا يوجد موعد لإعادة فتح مضيق هرمز.
بنى ترامب حملته الانتخابية على وعد الطاقة الرخيصة. الآن أصبح هذا الوعد خاسراً بفارق 1.40 دولار. الحكم الذي أصدره الناخب البريطاني عام 1945 جاء في اللحظة التي أدرك فيها أن الصفات التي تفوز بالحرب ليست هي الصفات التي تُدير ما بعدها.
ما يجعل تشرشل حالة فريدة هو أن مسيرته تحتوي الكارثتين معاً: الخطأ العسكري، ثم الخسارة السياسية بعد النصر، ضمن حياة سياسية واحدة، يفصل بينهما 30 عاماً.
هو ليس قصة تحذيرية مبسطة، بل حالة دراسية. والدروس التي تقدمها تجربته أكثر تعقيداً من أسطورته: يمكنك أن تكون محقاً في تشخيص العدو وتخسر الحرب. ويمكنك أن تنتصر في الحرب وتخسر السلام.
السؤال الغائب عن كل مؤتمر صحفي منذ 28 شباط هو السؤال الذي تجعل مسيرة تشرشل تجاهله مستحيلاً: ماذا يحدث بعد انتهاء هذه الحرب؟
ليس إذا نجحت الحملة — ماذا بعد؟
وليس إذا فشلت — ماذا بعد؟
لا يوجد جواب واضح لأي من الاحتمالين.
كان تشرشل يدرك أن الحروب تنتهي، وأن الحكومات تسقط، وأن ما يأتي بعدهما هو المشكلة الأصعب. لكنه، في غاليبولي، لم يكن يملك خطة لذلك أيضاً. الفارق أنه قضى السنوات اللاحقة في فهم لماذا.
أما مهندسو الحملة على إيران، فهم لا يزالون في فصل غاليبولي — ولا توجد أي إشارة علنية على أنهم أدركوا ذلك.
اقرأ أيضاً: لماذا تفشل النساء في تحقيق حلم الأمومة؟ أزمة صامتة في بريطانيا