تتسع كلمة الحماية كلما اقتربت من الناس، فهي لا تبقى مجرد نص قانوني أو إجراء إداري حين تدخل إلى فضاء ديني يقوم في جوهره على الثقة والسمعة والالتزام الأخلاقي، بل تصبح امتحاناً لطريقة حضور الدولة نفسها داخل المجتمع.. من هنا يكتسب التحرك البريطاني الجديد وزنه، لأنه لا يقدّم الحماية بوصفها حملة علاقات عامة، ولا يعرضها كأداة ردع مجردة، بل يحاول أن يعيد تعريفها كمسؤولية مؤسسية داخل الكنائس والمساجد والمعابد والجمعيات الدينية، حيث يلتقي العمل الأهلي بالحساسية القانونية، وتلتقي السلطة العامة بمجال اجتماعي اعتاد أن يدير كثيراً من شؤونه من داخل بيئته الخاصة.
الحماية داخل المجتمعات الدينية
بحسب ما أعلنته هيئة الإفصاح والمنع البريطانية DBS في 23 مارس 2026، فقد انتقلت حملة Faith in Safeguarding من مرحلة تجريبية في جنوب شرق إنجلترا إلى توسع أوسع عبر جلسات حضورية مجانية في مدن إنجليزية عدة، مع حديث عن جلسات لاحقة في ويلز وأيرلندا الشمالية.
جوهر الحملة ليس توسيع التدقيق الشكلي فحسب، بل رفع الوعي بما يسمى الواجب القانوني للإحالة، أي الحالات التي يتعين فيها على المؤسسة إبلاغ الهيئة عندما تكون هناك مخاوف حماية تتعلق بشخص يعمل أو يتطوع في نشاط منظم مع الأطفال أو البالغين المعرضين للخطر. لهذا تستهدف الحملة رجال الدين والقائمين على الوقف والإدارة ومسؤولي الموارد البشرية وقادة الأنشطة الشبابية والمتطوعين، أي إنها تتوجه إلى البنية اليومية للمجتمعات الدينية لا إلى نخبها الرسمية فقط.
من التوعية إلى التنظيم
اللافت في هذا المسار أن الخطاب الرسمي لا يقف عند حدود التوعية العامة، بل يربطها بأدوات عملية واضحة، من شرح أهلية فحوص DBS إلى عرض سيناريوهات تطبيقية، ثم المرور على آلية الإحالة نفسها خطوة خطوة.
وهذا يعني أن الدولة تحاول تحويل الحماية من فكرة أخلاقية عامة إلى سلسلة مسؤوليات قابلة للتنفيذ والقياس. وفي هذا التحول معنى سياسي واجتماعي مهم، لأن المؤسسات الدينية كانت كثيراً ما تتعامل مع مسائل الحماية بوصفها شأناً داخلياً شديد الحساسية، بينما تدفعها الحملة الآن إلى التعامل معها كجزء من حوكمة المؤسسة، لا كملف طارئ يظهر فقط عند وقوع أزمة.
الرمادية بين الدين والدولة
مع ذلك، لا يجري هذا التوسع في فراغ. فالمجتمعات الدينية في بريطانيا تحمل تنوعاً واسعاً في بنيتها ومصادر شرعيتها وعلاقتها بالدولة، ولهذا فإن إدخال مفهوم الحماية إلى هذا الحيز لا يمكن أن ينجح بلغة فوقية أو باتهام ضمني. ما تفعله DBS، وفق المواد الرسمية المنشورة، هو أنها تختار مدخلاً أكثر هدوءاً، يعتمد على العيادات الميدانية والشرح والتواصل الإقليمي وتقديم أمثلة من الواقع، لا على التهديد المباشر.
وهذا يكشف أن المسألة ليست صراعاً بين الدولة والدين، بل محاولة لإعادة رسم خط تماس جديد بين الاستقلال الديني والمسؤولية العامة. كما يكشف أيضاً أن عنوان التوسع البريطاني يحتاج إلى شيء من الدقة، لأن البنية القانونية والمؤسساتية ليست واحدة تماماً في كل أقاليم المملكة المتحدة، ولأن اسكتلندا تعمل ضمن إطار مختلف تقوده Disclosure Scotland.
الشرعية قبل لغة العقوبة
الأرقام التي أوردتها DBS في مرحلة الإطلاق السابقة كانت لافتة، إذ قالت إن الإحالات الواردة من القطاع الديني لم تشكل سوى 0.51 في المئة من مجمل الإحالات خلال سبع سنوات، وهذا الرقم لا يثبت وحده وجود تقصير منهجي، لكنه يكفي للإشارة إلى فجوة في المعرفة أو الثقة أو الممارسة.
ومن هنا تبدو الحملة محاولة لسد فجوة الشرعية قبل أن تكون محاولة لتشديد العقوبة، فالمؤسسة الدينية لن تتبنى آليات الحماية إذا شعرت أنها موضوعة في خانة الاشتباه الجماعي، لكنها قد تتجاوب أكثر إذا فهمت أن الإحالة ليست وصمة تلقائية، بل إجراء وقائي يندرج ضمن مسؤولية أوسع لحماية الفئات الأضعف.
كما أن الإرشادات الرسمية توضح أن الواجب القانوني لا ينشأ من الشك المجرد، بل عندما يجتمع أمران أساسيان، إزالة الشخص من النشاط المنظم أو منعه منه، ووجود اعتقاد بأنه ألحق ضرراً أو شكّل خطراً معقولاً على طفل أو بالغ معرض للخطر.
حماية أهدأ وأكثر تعقيداً
ما يعنيه هذا كله أن بريطانيا لا توسع مفهوم الحماية داخل المجتمعات الدينية عبر مزيد من السلطة المباشرة فقط، بل عبر مزيد من التنظيم الممزوج بالتعاون. وهي بذلك تنقل النقاش من سؤال من المخطئ إلى سؤال من يتحمل المسؤولية عند ظهور الخطر. هذه نقلة شديدة الحساسية، لأنها تمس منطقة يلتقي فيها الإيمان بالخدمة الاجتماعية وبالعمل التطوعي وبمكانة القادة المحليين.
وإذا نجحت الحملة، فسيكون نجاحها نابعاً من قدرتها على إقناع المؤسسات الدينية بأن الحماية داخل المجتمعات الدينية ليست انتقاصاً من استقلالها، بل شرطاً لبقاء هذا الاستقلال قابلاً للدفاع عنه أمام المجتمع والدولة معاً. أما إذا أخفقت، فسيكون السبب الأرجح أنها لم تستطع تحويل اللغة القانونية إلى ثقة عملية داخل الميدان. وبين هذين الاحتمالين يتحدد المعنى الحقيقي للتوسع الجاري اليوم، لا باعتباره حدثاً إدارياً عابراً، بل كاختبار جديد لشكل العلاقة بين الحماية والحرية والمسؤولية العامة.
اقرأ أيضاً: هل بريطانيا قلقة أكثر مما تصرّح.. هذا ما تكشفه أحدث البيانات!