يطرق القانون أبواب المنافي حين يظن بعضهم أن الهجرة تُسقط الذاكرة، فالمسافة بين دمشق ولندن لا تمحو أثر ما جرى، لكنها تضعه أمام قواعد إثبات لا تعرف المجاملة. هكذا تتحول عبارة لا ملاذ آمن من شعار أخلاقي إلى اختبار قضائي يوازن بين حق الضحايا في الإنصاف وحق المتهم في محاكمة عادلة، وتعيد تعريف فكرة الملاذ بوصفها حماية للإنسان من الخوف، لا حماية محتملة للانتهاك من المساءلة.
لا ملاذ آمن أمام المحكمة
في 9 مارس 2026 أعلنت النيابة العامة في إنجلترا وويلز اتهام السوري سالم السالم، 58 عاماً والمقيم في المملكة المتحدة، بسبع تهم تتضمن ثلاث وقائع قتل بوصفها جرائم ضد الإنسانية، وثلاث وقائع تعذيب، وتهمة تتعلق بسلوك معاون لواقعة قتل بوصفها جريمة ضد الإنسانية.
ويربط البيان الوقائع المزعومة بتظاهرات في ضواحي دمشق عام 2011، ويقول إن المتهم كان عقيداً في استخبارات القوات الجوية السورية وقاد مجموعة مكلفة بفض الاحتجاجات.
وتؤكد النيابة أن هذه أول مرة تُقدَّم فيها تهم قتل باعتبارها جرائم ضد الإنسانية بموجب قانون المحكمة الجنائية الدولية لعام 2001، وتذكر أن المتهم مثُل أمام محكمة وستمنستر في 10 مارس 2026، وحدد موعد لاحق أمام المحكمة الجنائية المركزية في 13 مارس 2026، مع قيد يمنع نشر عنوانه، كما تشير إلى أن الموافقة القانونية اللازمة لتحريك الادعاء قُدمت، وتُذكّر بأن الدعوى قائمة وأن للمتهم حقاً أصيلاً في محاكمة عادلة.
خيوط تحقيق عابرة للحدود
توضح الشرطة أن مسار القضية بدأ بإحالة تلقتها وحدة جرائم الحرب التابعة لشرطة مكافحة الإرهاب في نوفمبر 2020، ثم فُتح تحقيق أدى إلى توقيف في ديسمبر 2021 في باكنغهامشير مع تفتيش، قبل الإفراج بكفالة واستكمال الاستقصاءات وصولاً إلى قرار الاتهام.
وتصف الشرطة والنيابة التحقيق بأنه شديد التعقيد وامتد عبر دول عدة وتطلب تعاوناً مع شركاء دوليين، وهي تفاصيل تضع الاتهام ضمن صورة عمل طويل يتعامل مع قيود الزمن وتبعثر الشهود وتعدد مسارات الأدلة. وتؤكد إرشادات الإحالة والتقصي لدى النيابة أن هذا النوع من الملفات يواجه تحديات خاصة بسبب الحاجة إلى جمع الأدلة من خارج البلاد وإمكانات حماية الشهود وتأمين شهاداتهم أمام المحكمة.
القانون البريطاني وحدود الولاية
تتقدم بريطانيا هنا بأدوات قانونية محلية ذات جذور دولية. قانون المحكمة الجنائية الدولية لعام 2001 يربط معنى الجريمة ضد الإنسانية بنظام روما الأساسي، ويُحيل تعريفها إلى المادة السابعة التي تشترط أن تقع الأفعال ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين مع العلم بذلك الهجوم.
وفي تهمة التعذيب تستند النيابة إلى قانون العدالة الجنائية لعام 1988، حيث يُجرّم التعذيب حتى خارج المملكة المتحدة عندما يُنسب إلى موظف رسمي أو يتم بتحريضه أو بموافقته أو بتغاضيه. وتضع مذكرة حكومية بريطانية هذا المنطق ضمن سياسة عدم توفير ملاذ آمن لمجرمي الحرب والانتهاكات الجسيمة، لكنها تربطه أيضاً بسيادة القانون وبكفاية الأدلة لا بالانطباعات العامة.
الأدلة بين الذاكرة والمحكمة
المعادلة الأصعب ليست توصيف الألم، بل تحويله إلى ملف إثبات. مذكرة الولاية القضائية العالمية تشدد على أن المحكمة لا تستطيع افتراض الوقائع أو الاعتماد على مواد الإنترنت المفتوحة بذاتها، بل تحتاج إلى أدلة مقبولة وقابلة للاختبار. لذلك تلعب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية دوراً تمهيدياً في فهم الأنماط، مثل أرشيف لجنة التحقيق الدولية المستقلة الذي يجمع تقارير ومواد حول الاعتقال التعسفي والتعذيب.
وتذهب منظمة العفو الدولية إلى أن انتهاكات سجن صيدنايا ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، كما تشير جهات قانونية أوروبية إلى صور قيصر بوصفها مادة إثباتية في مسارات مساءلة متعددة.
وفي السياق البريطاني تقول جهات الشرطة المختصة إن فريق جرائم الحرب يجمع معلومات من ضحايا وشهود لدعم تحقيقات داخل المملكة المتحدة أو في ولايات قضائية أخرى، وتؤكد إمكانية التواصل باللغة التي يفضلها المُبلّغ، وهو تفصيل صغير ظاهرياً لكنه حاسم في قضايا تتعلق بذاكرة مثقلة وبشهود موزعين في المنافي.
تداعيات تتجاوز حدود المحكمة
تحمل القضية رسالة ردع باسم لا ملاذ آمن، لكنها تفتح جدلاً بريطانياً حول اتساع الولاية القضائية في الجرائم الدولية، إذ تحذر منظمة ريدرس من فجوات قد تُبقي بعض المشتبه بهم خارج الملاحقة إذا لم تتوافر شروط الإقامة أو الصلة القانونية.
وفي المقابل يتقاطع النقاش مع تقارير برلمانية تدعو إلى سد قيود الاختصاص، مع إدراك كلفة التحقيقات العابرة للحدود وصعوبة جمع الأدلة وحماية الشهود. وعلى مستوى المقارنة الأوروبية، ثبّتت المحكمة الاتحادية الألمانية حكماً بالسجن المؤبد لمسؤول سوري سابق في قضية تعذيب وجرائم ضد الإنسانية، ما يضيء مساراً موازياً للمساءلة خارج سوريا ويعزز حضور فكرة أن الجرائم الأشد خطورة قد تعبر حدود المكان والوقت.
اقرأ: العين البريطانية تنظر من جديد لطلبات لجوء الأقليات.. رغم تصنيف سوريا آمنة