عرفت لندن دائماً كيف تُمسك العصا من الوسط حين تقترب الحروب من حدود أوروبا. وحين تصاعد الحديث خلال الأشهر الماضية عن خطط بريطانية لإرسال آلاف الجنود إلى أوكرانيا -سواء كقوة ردع أو كقوة حفظ سلام “بعد الحرب” – بدا أن ساعة الاختبار قد دقّت. لكن السياسة، مثل الجليد الرقيق، لا تحتمل خطوة خاطئة. لذلك ربما انزاحت الحكومة خطوةً إلى الخلف: لا قوات الآن، ولا مغامرات على خطوط النار، بانتظار ما قد تُسفر عنه قمة ترامب–بوتين التي يروَّج لها باعتبارها فرصةً لالتقاط أنفاس الحرب عبر وقف إطلاق النار في أوكرانيا.
رهان لندن على وقف إطلاق النار في أوكرانيا
تقاطعت التسريبات الصحفية في أبريل 2025 عند خلاصة واحدة: بريطانيا “على الأرجح” ستتخلى عن خطة نشر آلاف الجنود داخل أوكرانيا لأن المخاطر “مرتفعة جداً” ولأن حجم القوة غير كافٍ لمهمة من هذا النوع. وسبق ذلك تقارير عن بحثٍ أوسع داخل المعسكر الغربي لانتشار يمتد لخمسة أعوام لحماية أي تسوية محتملة، قبل أن يرجّح صانع القرار البريطاني كفة التريّث. ولم يأتِ هذا التراجع من فراغ؛ فقد عكسته أيضاً تقارير أوكرانية مستقلة نقلت المنطق ذاته: تقليص المخاطر الآن أفضل من اختبار صِدام مباشر مع موسكو.
ارتبط هذا المزاج الحذر بفكرة “ما بعد الحرب” التي طرحها مسؤولون أوروبيون خلال الربيع الماضي: قوات متعددة الجنسيات تدخل أوكرانيا بعد تثبيت هدنة، لحفظ الاستقرار ومراقبة خطوط التماس. غير أن السجال الأميركي—ومن داخله أصوات جمهورية نافذة—وجّه انتقادات حادّة للطرح الأوروبي، ما أضعف الزخم السياسي لمشاريع الانتشار. وبالنسبة للندن، بدا أن الانتقال من الدعم التسليحي والتدريب خارج أوكرانيا إلى وجودٍ عسكري مباشر داخلها يقف على أرض قانونية وسياسية أقل صلابة.
قمة بوتين–ترامب: حسابات اللحظة الحرجة
تزامن قرار الإرجاء البريطاني مع تحولٍ كبير في واشنطن: لقاءٌ مباشر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدةٍ عسكرية في ألاسكا، مع هدفٍ معلن هو انتزاع وقف إطلاق النار في أوكرانيا—ولو مؤقتاً—يُمهّد لاحقاً لملف تفاوضي أوسع تشارك فيه كييف. رفعت تصريحات ترامب سقف التوقعات والضغوط في آن، بعدما لوّح بـ“عواقب شديدة جداً” إذا لم يقبل بوتين بالتهدئة، فيما أكدت عواصم أوروبية ضرورة إشراك أوكرانيا وعدم المساس بسيادتها أو حدودها. هنا تَبدَّت مصلحة لندن في تجنّب أي خطوة عسكرية قد تُعقّد مسار القمة أو تُفسَّر روسياً كتصعيدٍ مسبق.
ولم تكن هذه أول مرة تُطفئ فيها لندن محركات الانتشار. ففي خريف 2023، تراجع رئيس الوزراء آنذاك عن طرحٍ لإرسال مدربين عسكريين لتدريب الأوكرانيين داخل بلادهم، مؤكداً أن التدريب سيبقى على أراضي بريطانيا أو في دول آمنة. هذه السابقة رسمت خطاً أحمر واضحاً: لا وجوداً عسكرياً بريطانياً رسمياً داخل أوكرانيا قبل هدنةٍ مضمونة وقاعدة توافق دولي صلبة. ومع أن تصريحات لاحقة في 2025 فتحت باب “قوات حفظ سلام بعد الحرب”، فإن المسار العملي عاد وأغلقه مرحلياً لصالح سياسة “الانتظار النشط”.
لماذا الارتداد الآن؟
تعدّدت دوافع القرار البريطاني. أوّلها كلفة المخاطر: وجود جنود بريطانيين قرب خطوط النار قد يفتح الباب لاشتباكٍ مباشر مع روسيا، وهو ما تحاذره لندن وحلفاؤها منذ اليوم الأول للحرب. ثانيها اعتبارات التحالف: أي خطوة منفردة ستضع بريطانيا أمام تباينات أوروبية–أميركية متزايدة، خصوصاً في ظلّ مسعى البيت الأبيض لترتيب وقف إطلاق النار في أوكرانيا عبر قمةٍ ثنائية أولاً، ثم إدماج كييف في مسارٍ لاحق. ثالثها “اقتصاد القوة”: أعادت الحكومة تقييم الموارد والمهام في ضوء زيادة الإنفاق الدفاعي وأولويات الردع على الجناح الشرقي للناتو، مقابل الحفاظ على تدفق السلاح والتدريب الذي أثبت فاعليته. وتدلّ بيانات مجلس العموم على أن لندن بنت نفوذها في الحرب عبر الدعم النوعي لا عبر الجنود على الأرض.
ما الذي يعنيه ذلك لكييف وأوروبا؟
أراح القرارُ العواصمَ الأوروبية التي ترى أن شرعية أي انتشار—حتى بقبعة حفظ السلام—تفترض هدنةً قابلة للصمود ومراقبةً دولية متفقاً عليها. بالنسبة إلى كييف، يظلّ الأهم ألا تتحول القمة الأميركية–الروسية إلى صفقةٍ على حساب السيادة والأراضي، وهو ما شددت عليه قيادات أوروبية علناً. وفي حال نجحت القمة في تثبيت وقف إطلاق النار في أوكرانيا، قد يعود الحديث عن أدوار مراقبة مدنية وعسكرية خفيفة الوطأة، لكن وفق تفويض قانوني واضح وتحت مظلة جماعية لا تثير استفزاز موسكو ولا تُنهك موارد الحلفاء. أما إذا تعثرت القمة، فستبقى لندن على مقاربتها الحالية: تسليحٌ وتدريبٌ واستخبارات، بلا أقدامٍ على الأرض.
أعادت بريطانيا تموضعها على قاعدة بسيطة: لا مغامرات قبل اتضاح الأفق السياسي. قد تُغري لحظةُ القمة بوعودٍ كبيرة، لكن اختبار النجاح الحقيقي سيكون في اليوم التالي: هل يتم تثبيت وقف إطلاق النار في أوكرانيا بآليات مراقبة واقعية، أم تعود المدافع إلى الصخب؟ بين هذين الاحتمالين، اختارت لندن الانتظار—لا انسحاباً من مواجهةٍ تعتبرها مصيرية لأمن أوروبا، بل استثماراً في دبلوماسية قد تقلّص الحاجة إلى الجنود من الأصل.
اقرأ أيضاً: مناوشات أميركية – بريطانية بشأن أوكرانيا.. هل تزداد الأمور تعقيداً؟