لماذا تسعى بريطانيا إلى استنساخ النظام الدنماركي للهجرة؟
تابعونا على:

القوانين

لماذا تسعى بريطانيا إلى استنساخ النظام الدنماركي للهجرة؟

نشر

في

2٬237 مشاهدة

لماذا تسعى بريطانيا إلى استنساخ النظام الدنماركي للهجرة؟

تُبدّل نبرة السياسات العامة حين تُستدعى نماذج “صارمة” لتصبح معياراً للحزم. لهذا، جذب الإعلان المنتظر من لندن الأنظار: توجه حكومي لإطلاق تغييرات واسعة في قواعد الهجرة مستلهمة من التجربة الدنماركية، مع إرسال مسؤولين لدراسة تفاصيلها عن قرب، على أن تكشف وزيرة الداخلية شهبانة محمود الخطوط الكبرى خلال الشهر الجاري. الخبر ليس مجرد تعديل تقني، بل إشارة سياسية إلى إعادة هندسة ميزان الردع والجذب في ملف الهجرة داخل المملكة المتحدة.

النظام الدنماركي للهجرة: حماية مؤقتة، اختبارات لغة، وضمانات مالية

يشتهر النموذج الدنماركي بالانتقال من فكرة “الحماية الدائمة” إلى “الحماية المؤقتة” التي تُراجع دورياً، وهو ما انعكس على ملفات اللاجئين السوريين من خلال قرارات اعتبرت بعض المناطق السورية “آمنة” لإمكانية العودة، في خطوات أثارت قلق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوقية.

مثل هذه المقاربة تمنح السلطات مساحة قانونية أوسع لمراجعة الإقامات وسحبها عند تغير التقييم الأمني للوضع في بلد المنشأ.

وعلى مستوى لمّ الشمل، يفرض النظام الدنماركي للهجرة مجموعة شروطٍ متدرجة؛ أبرزها قاعدة الـ 24 عاماً للطرفين كحدٍّ أدنى للسن، واشتراط اجتياز اختبارات في اللغة الدنماركية على مستويي A1 ثم A2، إلى جانب تقديم كفالة مالية (ضمان نقدي) من الزوج/الزوجة المقيم(ة) في الدنمارك، على أن تُخفض هذه الكفالة جزئياً عند اجتياز اختبار اللغة. هذه التفاصيل التقنية، على جفافها، تُترجم عملياً إلى بوابة دخول أضيق تتحكم في سرعة الاستقرار وقابليته.

ويُضاف إلى ذلك أن كوبنهاغن جرّبت منذ 2021 مسار “الخارجنة” عبر تشريع يتيح معالجة طلبات اللجوء خارج أوروبا، وهو مسار أثار في حينه نقاشاً قانونياً محتدماً حول اتساقه مع قانون الاتحاد الأوروبي ومعايير الحماية الدولية. حتى مع تعثر التنفيذ أوروبياً، ظلّ المبدأ أحد أعمدة سردية التشدد في الدنمارك.

لماذا الآن في لندن؟

تحتاج الحكومة البريطانية إلى رواية سياسية تُظهر السيطرة على الحدود بعد سنوات من الجدل حول القوارب الصغيرة، مع محاولة موازنة رسائل الطمأنة لقاعدتها الانتخابية ورسائل الاستيعاب لقطاعات الاقتصاد التي تحتاج للهجرة المنظمة. لهذا، تبدو الاستعارة من النظام الدنماركي للهجرة مغرية؛ فهي تمنح معادلة جاهزة: حماية مقيدة زمنياً، شروط اندماج مشددة، وإشارات ردع واضحة للطلب غير النظامي على اللجوء.

وفي الخلفية، كانت وزيرة الداخلية قد لمّحت في مؤتمر حزب العمال إلى نية تمديد المدة المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة (Indefinite Leave to Remain) من خمس إلى عشر سنوات، بما يعكس فلسفة “الاستحقاق عبر المساهمة” قبل التمكين القانوني الكامل.

على الضفة الأخرى من المجتمع المدني، برزت رسائل تحذير من أكثر من مئة منظمة بريطانية ناشطة في قضايا اللجوء والاندماج حثّت الحكومة على وقف “شيطنة المهاجرين” والتركيز على حلول لأزمات السكن والخدمات الصحية. هذا الضغط يوضح أن التوافق الوطني حول تشديد سياسات الهجرة ليس مضموناً، وأن مسار “النموذج الدنماركي” سيواجه اختبار شرعية اجتماعيّاً وأخلاقياً، لا تشريعياً فحسب.

ما الذي يميز الدنمارك عن بقية أوروبا… وهل يُستنسخ؟

جزء من قدرة كوبنهاغن على صياغة مسارات خاصة يعود لاختيارات دستورية وسياسية قديمة منحتها استثناءات من بعض سياسات اللجوء المشتركة في الاتحاد الأوروبي، ما أتاح هندسة أدواتٍ مثل النظام الدنماركي للهجرة بصورة أكثر استقلالية عن الإطار الجماعي.

وهذا الاستقلال النسبي لم يعطل الرقابة الأوروبية تماماً، لكنه سمح بإيقاعٍ وُصف كثيراً بأنه الأكثر صرامة في شمال أوروبا. حين يُنقل هذا الإيقاع إلى المملكة المتحدة، يتعين ملاحظة أن بريطانيا خارج الاتحاد لكنها داخل منظومات التزامات دولية أوسع (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان مثلاً)، ما يعني أن أي نسخة بريطانية ستخضع سريعاً لاختبارات قانونية في المحاكم المحلية وربما الأوروبية.

التنفيذ والتحديات: من النص إلى الأثر

إذا مضت لندن نحو نسخة محلية من النظام الدنماركي للهجرة، ستبرز ثلاثة تحديات عملية. الأول قانوني تنظيمي: يحتاج التحول إلى تعديلات دقيقة في لوائح اللجوء ولمّ الشمل، وضبط علاقة “الحماية المؤقتة” بمبدأ عدم الإعادة القسرية. الثاني إداري تشغيلي: يتطلب نجاح الاختبارات اللغوية والمالية بنية استقبال وتعليم ومراقبة فعّالة كي لا تتحول إلى “متاهة بيروقراطية” تنهك الأسر دون مردود اندماجي.

الثالث اجتماعي سياسي: أي تشددٍ في السكن والعمل والتعليم قد يُولد مناطق تمييز بحكم الأثر، على غرار الجدل الذي أثارته حزمة “المجتمعات الموازية” في الدنمارك وخضوع بعض عناصرها حالياً لمراجعات قضائية أوروبية بشأن التمييز، ما يقدم درساً استباقياً لصناع القرار في لندن.

خلاصة: بين الإشارة والجوهر

الرهان على النظام الدنماركي للهجرة رسالة سياسية قوية، لكنه ليس عصاً سحرية. قوته في جدولة الطريق إلى الاستقرار ومنح السلطات أدوات مراجعة دورية، وضعفه في قابلية إساءة الاستخدام أو التعسف إذا غابت الضمانات والقدرات التنفيذية.

الخيار أمام المملكة المتحدة ليس بين الانفتاح المطلق والإغلاق المحكم، بل بين تصميم هندسة مؤسسية رشيدة تُفرّق بين الحاجة الاقتصادية والحق الإنساني، وبين خطابٍ يستثمر في الرمزية دون معالجة جذور الفشل الإداري. حين تتحقق الموازنة، يمكن لنموذجٍ “مُكيّف” أن يحسن الثقة العامة دون أن يثقل كلفة الاندماج أو يبدد رصيد القيم.

اقرأ أيضاً: الهجرة تدفع عدد سكان إنجلترا وويلز لأعلى مستوياته منذ 75 عاماً

X