تبحث الكثير من العائلات سواء العربية أو غير العربية عن دولٍ توفر لها معيشة أفضل من بلدانها الأصلية، فالشباب يبحثون عن فرص عمل تفتح لهم آفاق مستقبل أفضل، والعائلات ترى أن مستقبل أبنائها في دول متقدمة يختصر عليهم سنوات من التعب وتضييع الوقت في دهاليز الصحة والتعليم غير الكفؤة في بلدانهم. وهنا تبرز بريطانيا كواحدة من الدول التي يحلم بها الكثيرون بفضل ما تقدمه لكل مقيم ومجنس، على الرغم من ارتفاع تكاليف المعيشة في الكثير من دول العالم بشكل عام. ولذلك في هذا المقال نقدم لكم نظرة سريعة على هذه التكاليف خلال عام 2026، بالإضافة إلى الدعم الذي تقدمه المملكة المتحدة للأسر لتحسين حياتهم.
في البداية لا بد من التنويه أنه في معظم دول العالم تشكل العاصمة المركز في استقطاب كل مهاجر بسبب كثرة الوظائف وارتفاع الأجور، بينما توفر مدناً أخرى مثل مانشستر Manchester وإدنبرة Edinburgh وكارديف Cardiff وغلاسكو Glasgow مستوى معيشة أفضل وبتكاليف أقل نسبياً. لذلك من المهم فهم حجم الإنفاق اليومي في كل مدينة، للمساعدة في إعطاء صورة واقعية عن المعيشة في بريطانيا قبل الانتقال إليها.
اختلاف تكاليف المعيشة بين المدن البريطانية
في العاصمة لندن London، حالها كحال الكثير من عواصم الدول تبقى المدينة الأغلى بلا شك، ويعود السبب في ذلك إلى المكانة الاقتصادية التي تحتلها، عدا عن تركز معظم الشركات والمؤسسات الكبرى فيها.
وبالتأكيد يعد السكن من أولويات المصاريف التي تؤثر في ميزانية أي أسرة. فمتوسط إيجار شقة صغيرة مكونة من غرفة نوم واحدة في وسط لندن يصل إلى نحو 2138 جنيهاً إسترلينياً شهرياً، وهو مبلغ مرتفع عند مقارنته بالمدن الأخرى مثل مانشستر التي يبلغ متوسط الإيجار فيها نحو 1170 جنيهاً شهرياً، بينما يصل في إدنبرة إلى حوالي 1269 جنيهاً.
ويمكن قياس فرق الأسعار بين المدن أيضاً على الجوانب الحياتية الأخرى مثل تكلفة تناول الطعام في المطاعم التي تكون أعلى في لندن مقارنة بغيرها من المدن، كما أن تكاليف التنقل والخدمات والترفيه تكون عادة أكثر ارتفاعاً. لذلك تتوجه العديد من الأسر العربية نحو المدن الأخرى مبتعدين عن العاصمة.
وبحسب بعض المصادر، يحتاج الشخص الواحد في لندن إلى نحو 1102 جنيه إسترليني شهرياً لتغطية نفقاته الأساسية باستثناء الإيجار، بينما تنخفض هذه النفقات إلى 854 جنيهاً في مانشستر و896 جنيهاً في إدنبرة. أما العائلات المكونة من أربعة أفراد فتحتاج إلى ما يقارب 3831 جنيهاً شهرياً في لندن مقارنة بنحو 2902 جنيه في مانشستر و3047 جنيهاً في إدنبرة.
الرعاية الصحية والنقل
لا تقتصر تكاليف المعيشة على الإيجارات فقط، بل تمتد إلى مصاريف أخرى تشمل النقل والرعاية الصحية والتعليم التي تقتطع جزءاً كبيراً من الأجور. ومن المعروف أن نظام الرعاية الصحية الوطني البريطاني يعد من الأنظمة المهمة في العالم، فهو يسمح للجميع بالحصول على الخدمات الطبية الأساسية مجاناً في معظم الحالات، سواء في إنجلترا أو اسكتلندا أو ويلز أو أيرلندا الشمالية.
ويستفيد المغتربون المقيمون بشكل قانوني من معظم هذه الخدمات بنفس الطريقة التي يستفيد منها المواطنون البريطانيون، وهو ما يقلل من حجم النفقات الصحية مقارنة بدول أخرى تعتمد بشكل كبير على التأمين الصحي الخاص. لكن لا بد من التنويه أن هناك بعض الرسوم التي يتحمل تكاليفها الأسر والأفراد مثل الوصفة الطبية الواحدة التي تكلف حوالي 9.90 جنيهات إسترلينية، بينما تتراوح رسوم علاج الأسنان بين 26 و319 جنيهاً بحسب نوع العلاج المطلوب. أما من يريد مواعيد أسرع وخدمات أكثر فيتجه نحو الاشتراك في برامج التأمين الصحي الخاص.
أما بالنسبة للنقل فلا يقل أهمية عن الإيجارات والصحة، لأنه يشكل صلة الوصل بين المنزل وأماكن العمل والخدمات، لذلك نلاحظ أن الكثير من الأسر تختار مكان إقامتها بالقرب من أماكن عملها حتى توفر في أجور النقل. إذ تبلغ تكلفة بطاقة النقل الشهرية في لندن حوالي 200 جنيه إسترليني، في حين تبلغ تكلفة التذكرة الواحدة للحافلات نحو 2.80 جنيه. كما تبلغ تكلفة التنقل بسيارة أجرة حوالي 1.95 جنيه لكل كيلومتر.
التعليم والدخل المطلوب للعيش بشكل مريح
بلا أدنى شك تشكل المملكة المتحدة مقصد كل طالب علم، عدا عن التعليم ما قبل الجامعي، ويعود ذلك إلى احتوائها على أفضل الجامعات والمؤسسات التعليمية على مستوى العالم. ففي مرحلة التعليم المبكر، تصل رسوم رياض الأطفال في بعض مناطق لندن إلى أكثر من 8000 جنيه إسترليني سنوياً. أما المدارس الخاصة فقد تتجاوز رسومها 15000 جنيه سنوياً للطالب الواحد. ويؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في نفقات الأسر التي تفضل التعليم الخاص لأبنائها.
وعلى مستوى التعليم الجامعي، تختلف الرسوم بحسب الجامعة والتخصص وجنسية الطالب. ففي حين يستفيد المواطنون البريطانيون من رسوم دراسية أقل، يدفع الطلاب الدوليون مبالغ أعلى بكثير قد تصل إلى أكثر من 30000 جنيه إسترليني سنوياً في بعض الجامعات والتخصصات، وهذا ما يجعل تكاليف التعليم مرتفعة بالنسبة للطلاب الدوليين.
وفي المجمل، يحتاج الشخص الواحد إلى ما يقارب 29541 جنيهاً إسترلينياً سنوياً للعيش بشكل مريح خارج لندن، بينما يرتفع هذا الرقم إلى نحو 38880 جنيهاً داخل العاصمة بسبب ارتفاع أسعار السكن والخدمات.
ولذلك الأسر التي لديها أطفال تحتاج إلى دخل أكبر لتغطية احتياجات التعليم والرعاية والنفقات اليومية. إذ تصل تكاليف المعيشة لأسرة مكونة من أبوين وطفلين خارج لندن إلى أكثر من 46 ألف جنيه إسترليني سنوياً للحفاظ على مستوى معيشة مريح. وكلما زاد عدد أفراد الأسرة ارتفعت النفقات المطلوبة لتلبية الاحتياجات الأساسية وتحقيق قدر مناسب من الاستقرار المالي.
الدعم الحكومي ودوره في تخفيف أعباء المعيشة
من خلال الأرقام السابقة نلاحظ أن أي شخص يفكر بالمملكة المتحدة كوجهة للعمل والعيش عليه أن يحسب ألف حساب لهذه الخطوة. وقد لفتت هذه الأرقام الحكومة البريطانية، لذلك سعت خلال عام 2026 إلى تخفيف الأعباء عن الأسر عبر تقديم مجموعة من إجراءات الدعم كمساعدة للمواطنين.
ومن بين هذه الإجراءات استمرار العمل بالإعفاءات الخاصة بالوصفات الطبية وشهادات الدفع المسبق، وهي خطوة تهدف إلى ضمان حصول المرضى على الأدوية والعلاجات الضرورية دون أن تشكل تكلفتها عبئاً يمنعهم من الاستفادة من الرعاية الصحية.
كما أعلنت الحكومة عن زيادة المعاش التقاعدي الحكومي اعتباراً من أبريل 2026 بنسبة 4.8%، وهو ما رفع قيمة المعاش الكامل إلى أكثر من 241 جنيهاً أسبوعياً. وتساعد هذه الزيادة ملايين المتقاعدين على التعامل مع ارتفاع الأسعار والحفاظ على قدرتهم الشرائية.
وضمن إجراءات دعمها الخاص بالأسر تم إلغاء الحد الأقصى لطفلين في نظام الإعانة الشاملة، مما يسمح للعائلات بالحصول على الدعم المالي لجميع أطفالها بغض النظر عن عددهم، مما يساهم في تقليل معدلات الفقر للكثير من الأسر.
ومن المبادرات المهمة أيضاً توفير ما يصل إلى 30 ساعة أسبوعياً من رعاية الأطفال الممولة حكومياً للأسر المؤهلة في إنجلترا. ويخفف هذا البرنامج جزءاً كبيراً من النفقات التي تتحملها الأسر العاملة، حيث يمكن أن يوفر ما يصل إلى 7500 جنيه إسترليني سنوياً. كما تم توسيع برنامج نوادي الإفطار المجانية في المدارس الابتدائية، الأمر الذي يساعد الأطفال على بدء يومهم الدراسي بشكل أفضل ويخفف في الوقت نفسه الأعباء المالية عن أولياء الأمور.
في النهاية، قد تكون بريطانيا حلماً للكثير من العائلات، لكن في المقابل لا بد من أخذ هذا الحلم بواقعية كبيرة حتى لا تشكل مرحلة الانتقال إليها مصدراً لهمهم. فعلى الرغم من وجود الكثير من الميزات في الخدمات مقارنة بالبلد الأم للمهاجرين وطالبي العلم، فإن معرفة تكاليف المعيشة الحقيقية قد تعيد الحسابات للكثيرين وتقلل عنصر المفاجأة غير السارة لهم.
اقرأ أيضاً: جدل متصاعد حول قروض الطلاب والسداد