أخبار لندن
ماذا تعرف عن «حركة فلسطين» المحظورة في بريطانيا؟!
نشر
منذ سنة واحدةفي
2٬008 مشاهدة
By
ahmed.ali
في قلب الضجيج القانوني والسياسي الذي يُحيط بمسألة الحقوق والحريات في بريطانيا، تبرز «حركة فلسطين» (Palestine Action) كإحدى القضايا الشائكة التي استعادت الأضواء بقوة في صيف سنة 2025. حملت هذه الحركة، منذ تأسيسها، ترددَ صوتٍ احتجاجيّ غير تقليدي، يتصارع مع نظام رقابي وعنصر تشريع صارم. إذ تُلقي الحكومة البريطانية بشبكة تشريعاتها لتصنيفها «منظمة إرهابية»، بينما يردد المدافعون عنها أن ما يميزها لم يكن في يوم من الأيام العنف المَسلّح بل فعل رفض سياسي صريح لاستمرار دعم بريطانيا لنظام كيان الاحتلال الإسرائيلي.
نرصد هذه الرواية القانونية – الحقوقية – الإعلامية في هذا التقرير، الذي يرصد تفاصيل القضية من النشأة إلى التحدّي القضائي، مروراً بالمشهد التشريعي الملتهب وتأثيرات قانون أمان الإنترنت، انتهاءً بتوقّعات متشعّبة على مستقبل النضال المدني في المملكة المتحدة.
حركة فلسطين: ولادة الحركة وغاياتها
نشأت حركة فلسطين (Palestine Action) في المملكة المتحدة عام 2020، كشبكة احتجاج غير عنيفة تشمل اعتصامات مدنيّة وعمل مباشر تجاه مواقع وعقارات وشركات لها علاقة بالدعم العسكري والسياسي لإسرائيل. يركّز مؤسسوها على وصف سياسات تل أبيب بأنها «نظام فصل عنصري» (apartheid)، في محاولةٍ لوقف تعاون البنى التحتية البريطانية مع القوات «الإسرائيلية». ورغم حداثة عهدها، فقد اكتسبت الحركة سرعة انتشار وسط حراك التضامن مع الفلسطينيين، وشاركت بقوة بالاحتجاجات خلال الحرب على غزة التي اندلعت في الخريف والشتاء قبل 2025.
أسباب التصنيف كـ «منظمة إرهابية»
في يوم 5 يوليو 2025، دخلت حظراً رسمياً على حركة فلسطين بموجب قانون الإرهاب البريطاني لعام 2000 (Terrorism Act 2000)، حيث أدرج اسم الحركة في قائمة المنظمات المحظورة (Proscribed Organisations) ضمن تعديل تشريعي أُقرّ بمجلسي البرلمان واللوردات، ليصبح الانضمام إليها أو دعمها جناية يعاقب عليها بالسجن حتى 14 سنة.
وبحسب الحكومة، فإن ذروة التبرير جاءت بعد اقتحام نفّذه ناشطون من الحركة في 20 يونيو 2025 لقاعدة RAF Brize Norton العسكرية، حيث قاموا برش الطائرات الحربية بطلاء أحمر واستخدام مطارق، ما أسفر عن خسائر تقدّر بحوالي سبعة ملايين جنيه إسترليني، بدون أي إصابات بشرية. وصفت السلطات هذا الفعل بأنه تجاوز لحدود الاحتجاج، وبأنه يمثل “إرهاباً في الاستخدام والتأثير”، ما دفعها لوضع الحركة في خانة المنظمات الخطيرة كالقاعدة وحماس.
وبموجب المادة 11 من قانون الإرهاب، فإن عضوية حركة فلسطين أو الدعم لأي من أعضائها أصبح جريمة تستوجب السجن حتى 10 سنوات أو الغرامة، بينما ينص القسم 22 على عقوبة تصل حتى 14 سنة لمن يقدّم الأموال أو الموارد للجماعة المحظورة.
احتجاجات واعتقالات استثنائية
منذ إعلان الحظر وحتى نهاية يوليو، تم احتجاز أكثر من 100 شخص عبر المملكة المتحدة، من بينهم متظاهرو تضامن في لندن، مانشستر وكارديف، بتهمة “إظهار دعم لمنظمة محظورة”. ومن بين المعتقلين شخصيات مجتمعية بارزة مثل كاهنة تبلغ من العمر 83 عاماً، وقاضي سابق يبلغ 81 عاماً؛ وكذلك سيدة تبلغ من العمر 74 عاماً، والتي وصفت تجربة اعتقالها بأنها “مروّعة ومخيفة”، وأُبعدت عن وسط مدينة ليفربول كجزء من كفالة رسمية تحدّ من حريّتها في التنقل. وهي اعتقالات يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها رسالة ردع ضد التعبير السلمي والحراك التضامني، وليس عنفاً أو إرهاباً.
الانعكاس على المشهد الرقابي والقانوني لبريطانيا
أثار قانون أمان الإنترنت (Online Safety Act 2023) – التي دخلت حيز التنفيذ في بداية عام 2025 – جدلاً واسعاً بعد صدور رسالة مشتركة من مؤسسات حقوقية مثل Open Rights Group وIndex on Censorship، طالبت الحكومة وتنظيم Ofcom بوضع استثناء واضح للمحتوى السياسي المحمي، خشية أن يُفهم أي مشاركة عن فلسطين على أنها دعم للحركة المحظورة. وبحسب تلك المؤسسات، فإن قانون الإنترنت يسمح لشركات التكنولوجيا بحذف أو تغييب المحتوى الذي ربما يكون قانونياً، على أساس “السلامة”، مما يحمل مخاطرة عالية بخلق مناخ من الرقابة الذاتية.
من جهتها، علّقت بعض شركات التقنية الكبرى، من بينها Meta وWhatsApp، معارضة لفكر المراقبة غير المشروطة على الرسائل المشفّرة، معتبرة أن التوسّع الهيكلي في المراقبة يهدد الخصوصية الجماعية، مما يزيد التحديات على حريّة التعبير في الفضاء العام والخاص في آن معاً.
الطعن القضائي: نقطة تحوّل في التاريخ البريطاني
على الرغم من رفض محكمة عليا للطعن في 23 يونيو 2025، إلا أن محكمة Divisional Court في لندن، ومن خلال حكم قاضي مارتن تشامبرلاين (Martin Chamberlain)، منحت هدى العموري (Huda Ammori) – المؤسِسة المشاركة في الحركة – الحقّ في إعادة التحدّي أمام المحكمة الإدارية في خريف 2025، معتبراً أن الاعتبارات المرفوعة “قد تكون معقولة بما فيه الكفاية” لمحاكمة محتملة. وقد نُقلت أقوال القاضي بأن “تأثير الحرب على حرية التعبير السياسي” ممكن أن يكون مدوياً إذا لم يتم تقويض القرار.
من المعلوم أن هذه الحالة فريدة تاريخياً، إذ بقيت حركة احتجاج غير عنيفة تنال الحق في الطعن في قرار يمنع انضمام أي فرد إلى مجموعتها، وهو ما يشكّل سابقة بامتياز في المسارات القضائية البريطانية التي ظلّت تقليدياً تنظر في التنظيمات المسلّحة وليس الأعمال المباشرة المدنيّة.
ردود الفعل الداخلية والدولية
من داخل بريطانيا، وقّع 8 نواب في البرلمان (Early Day Motion) اعتراضاً على القرار، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثّل “خنقاً للتعبير السياسي” وتقديم مثال تاريخي سيء يكمّم الأصوات المعارضة للحرب، واصفين القرار بأنه “مسيّس فوق العادة”. وبرز اسم جيريمي كوربن رئيس حزب العمال السابق كأحد المطالبين بإلغاء القرار، لاستعادة المساحة المتفهمة للاعتراض المدني على سياسة الدولة.
على الساحة الدولية، أعرب مفوض حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك (Volker Türk)، عن مخاوفه من أن التوسّع في تعريف “الإرهاب” ينسف تلك الالتزامات التي تُجبر المملكة المتحدة على احترام حقوق التجمع والتعبير وفق القانون الدولي. كما سبقت مؤسسات حقوقية رئيسية مثل أمنستي إنترناشيونال إصدار رسالة مفتوحة إلى البرلمان، محذّرة من أن هذا النوع من التشريع يوسع نطاق العقاب ويُرعب شرائح واسعة من المدنيين الذين يتبنون موقفاً إنسانياً غير متطرف.
التوتر بين الأمن القومي والحق في التظاهر
تحاول الحكومة البريطانية – وعلى رأسها وزيرة الداخلية إيفيت كوبر (Yvette Cooper إيفيت كوبر) – تقديم هذا القرار باعتباره ضرورة لحماية البنية التحتية العسكرية ومنع “رموز الإرهاب الرمزي”، بينما يرى منتقدون أن الحركة تتبع أسلوب الاحتجاج المدني العريق، مستلهماً تاريخ الجماعات مثل الكوكرز (Quakers) والحق السود في الولايات المتحدة والحركة النسوية البريطانية التي اعتمدت مقاربات احتجاج سلمي مدني ولكن فعّال، فجَرّم حرية الاعتصام والتعبير السلمي في الحالة الراهنة بعيد عن أي عنف دامٍ أو تهديد مباشر للحياة.
وقال أحد كبار المحامين البريطانيين إن رد الحكومة يرسخ “المنطق الشامل السابق للجرم” (pre‑crime)، حيث يمكن أن يُحاكم أحد ليس بناءً على عمل فعلي بل على اعتقاد أو موقف سياسي متوقَع مسبقاً. وفي هذه الحال، تُقدّم السلطات خطاباً أمنياً بعيد المدى يفرض عقوبات على الفعل السياسي قبل حدوثه أصلاً.
السيناريوهات المتوقعة وآفاق ما بعد الاستئناف
إذا نجحت الحركة في طعنها، فسيكون ذلك ضربة قوية لمفصل صلاحيات الوزراء في تفسير قانون الإرهاب بمرونة، وقد يُفتح الباب لتعديل أو تقييد استخدام قوّة الحظر البرلماني ضد الحركات الاحتجاجية السلمية. أما إذا رفضت المحكمة استئناف الـDivisional Court، فستلجأ الحركة إلى Proscribed Organisations Appeal Commission (POAC)، وهي هيئة مستقلة تخصصها قوانين الإرهاب، رغم أن المحكمة العليا خلصت إلى أن اللجوء إليها قد يكون أقل فعالية من محكمة قضائية لأن المواعيد فيها تتأخر بالمئات من الأيام.
وينبغي ألا يُغفل أحدٌ أن تفعيل قانون أمان الإنترنت (OSA) سيعزز قدرة شركات التواصل على الحظر التلقائي لمحتوى يُصنّف تكنولوجياً كداعم أو مروج لحركة محظورة، ما قد يقود إلى إسكات احتجاجات حسب تصنيف الذكاء الاصطناعي بذريعة “السلامة”، بغض النظر عن السياق السياسي أو القانوني.
في بوصلة الحقوق والتوازن
من دون شك، يُقدم مشهد حركة فلسطين المنظورة والمحظورة على مسرح التشريع والتعليق العام درساً صادماً في مفهومي “الأمن القومي” و”الحقوق المدنية”. ففي مقابل قصة اقتحام مدني أدّى إلى تصنيف جماعة بأكملها إرهابية، نرى قوة الدولة تتضخم لتشمل التعبير والآراء والتحرك السلمي. وفي مقابله، تُنادي القوى الحقوقية – داخل المملكة المتحدة وخارجها – بضرورة تثبيت معايير قانونية أكثر دقة، تفصل بين الفعل المدني المنظم وبين الإرهاب الحقيقي الفاعل عن عمد في تعطيل العمليات الأمنية الأساسية.
ربما كانت لحظة يوليو 2025 علامة فارقة في كتاب الحريات السياسية البريطانية، إذ إن مثل هذا الحظر لأول مرة على حركة مباشرة لم يقتصر أثره على أعضاءها، بل سلط الضوء على معضلات الحرية في ظل التشريعات الأمنية الشديدة. والرابطة بين هذا الحظر وبين قانون أمان الإنترنت – الأوسع شمولاً – يجعل القضية معبّرة عن مأزق عالمي: كيف نحمى المجتمعات من الإرهاب دون أن نتحول إلى مجتمع يرهب شعبه قبل أعدائه؟
والآن، يترقب المراقبون القانونيون جلسات الاستماع في خريف 2025، والتي قد ترسم حدوداً جديدة للفصل بين المدني والمنظّم المدني في تعريف السلطة لما هو “غير قانوني”، وقد يعلن حكم المحكمة الأعلى أن قيود التصنيف لا يمكن أن تطال الاحتجاج المدني المنظم. وكل ذلك سيحسم في الجناحين: الحظر البرلماني، والقوة الرقابية الرقمية.
اقرأ أيضاً: بريطانيا تعلن اعترافها «دولياً» بفلسطين في سبتمبر بشرط محدّد!
وجبات المدرسة المجانية توسعت.. هل أصبح طفلك مؤهلاً دون أن تعرف؟
حمى كأس الاتحاد الإنجليزي تشتعل في ذا رابل.. حلم يتجاوز الملعب
الديزل يتجاوز حاجزاً غير مسبوق في بريطانيا.. من سيدفع الثمن؟
متجر B&M يعود إلى الشارع نفسه.. وAldi تستعد لمنافستها من الموقع ذاته
سينما أوديون بيكنهام تعلن عن يومها الأخير.. والجمهور يتحرك
بريطانيا تحمّل الشركات ثمن العمال غير الشرعيين.. 60 ألف جنيه عن كل عامل
150 جنيهاً قد تخصم من فاتورتك.. من يستحق Warm Home Discount هذا الشتاء؟
هل فقد الأمان مكانه على قطارات بريطانيا؟
مهرجان لندن السينمائي 2026.. حضور عربي في لجان التحكيم والأفلام المشاركة
