لم يعد الذكاء الاصطناعي في بريطانيا يقتصر على مجالات التكنولوجيا والبرمجة، فقد تغلغل في روتين العمل اليومي لآلاف العاملين في مجال توصيل الأطعمة والسلع. وتعتمد منصات التوصيل على خوارزميات لتخصيص الطلبات لعمال محددين، وتقدير أوقات ومسافات التنقل، وحساب الأجور، ومراقبة أداء العمال، وإدارة توزيع الطلبات.
وفي حين تروج الشركات لهذه التقنيات باعتبارها وسيلة لتبسيط عمليات التوصيل وتحسين الخدمة، يرى بعض العمال أن تزايد استخدامها جعل عملية تحديد الأجور ضبابي وغير واضح بشكل متزايد، إذ غالباً ما يفتقرون إلى فهم واضح لكيفية اتخاذ هذه الخوارزميات لقراراتها، أو للأسباب التي قد تجعل عاملاً ما يتلقى عرض أجر يختلف عن ذلك الذي يتلقاه عامل آخر.
كيف تحدد الخوارزميات أجور العمال؟
تستخدم منصات التوصيل أنظمة آلية تجمع كميات هائلة من البيانات الفورية حول الطلبات والعمال وتدفق الطلبات. وبناءً على هذه البيانات، تحدد الخوارزمية العامل الأقرب للطلب، وتقدر الوقت اللازم لإنجازه، وتعطي مقابل عملية التوصيل مبلغاً من المال.
وتعتمد بعض المنصات أسلوب “التسعير الديناميكي”، وهو نظام تتقلب فيه قيمة الطلب بناءً على عوامل العرض والطلب في أي لحظة، إذ قد تتغير الأسعار حسب حسابات النظام، عند ارتفاع حجم الطلبات أو انخفاض عدد العمال المتاحين. وبالنسبة للعمال، لا تكمن المشكلة في وجود الخوارزمية بحد ذاتها، بل في عجزهم عن معرفة المعايير الدقيقة التي تحدد قيمة أرباحهم.
يشير عمال التوصيل إلى انخفاض في متوسط قيمة بعض الطلبات خلال السنوات الأخيرة، رغم بقاء حجم الطلبات التي ينجزونها خلال مناوبات عملهم دون تغيير. وتظهر السجلات التي يحتفظ بها أحد العمال، والتي توثق دخله وعدد الطلبات المنجزة على مدار عدة سنوات، أن متوسط الأجر عن كل طلب قد انخفض بشكل تدريجي، في حين ظل معدل إنجاز الطلبات في الساعة مستقر بشكل نسبي. ويرى هذا العامل أن المشكلة لا تقتصر على عدد الطلبات، بل تمتد لتشمل قيمة كل طلب على حدة، فانخفاض الأجر يقترن بعبء عمل ثابت،يؤدي في النهاية إلى تراجع إجمالي الأرباح.
كذلك، تتيح بعض المنصات الآن تجميع عدة طلبات في مسار توصيل واحد، ورغم أن هذا الإجراء يوفر الوقت للشركة ويعزز كفاءة النظام، إلا أنه لا يعني بالضرورة حصول العامل على أجر يعادل مجموع أجور الطلبات الفردية مجتمعة.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي يقترب من الخط الأحمر.. هل بدأ يفلت من السيطرة؟
ما المقصود بمصطلح “الصندوق الأسود”؟
يستخدم العمال والباحثون مصطلح “الصندوق الأسود” لوصف آلية عمل الخوارزميات، يرى العامل النتيجة النهائية، أي الطلب وقيمته، لكنه لا يستطيع رؤية العملية التي اتبعتها المنصة للوصول إلى تلك النتيجة. يسلط هذا الضوء على جانب آخر لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ألا وهو قدرة الأنظمة المؤتمتة على تقييم العمال واتخاذ قرارات تؤثر على قدرتهم على أداء وظائفهم.
تستخدم بعض المنصات تقنية التعرف على الوجه للتحقق من هوية العامل عند تسجيل الدخول؛ إذ قد تؤدي مشكلات تتعلق بالصورة أو فشل النظام في التعرف على الوجه إلى حظر وصول العامل إلى التطبيق مؤقتاً، وذلك لحين مراجعة الموقف. وبالنسبة للعامل الذي يعتمد على خدمات التوصيل كمصدر للدخل، فإن فقدان الوصول إلى التطبيق يعني فعلياً ضياع ساعات العمل وخسارة الأرباح المحتملة.
من جانبها، تؤكد شركات التوصيل أن استخدام التكنولوجيا يهدف إلى تبسيط عمليات التوزيع وتحسين تجربة كل من العملاء والعاملين، وتشير هذه الشركات إلى أن أنظمتها تعتمد على عوامل متعددة، مثل الوقت والمسافة ومدى توفر الموظفين. كما تشدد بعض الشركات على أن القرارات الحاسمة المتعلقة بحسابات العاملين لا تتم بشكل آلي بالكامل، بل تخضع للمراجعة البشرية عند الضرورة.
ومع ذلك، يتجاوز الجدل مسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يفيد أو يضر، إذ يتمحور النقاش حول شفافية استخدامه، خاصةً ما إذا كان بإمكان العامل فهم الأسباب الكامنة وراء انخفاض الدخل، أو رفض طلب ما، أو تقييد الحساب. ومع تزايد الاعتماد على الخوارزميات في سوق العمل، يبرز سؤال بسيط يواجه العاملين: إذا كان الحاسوب هو من يحدد جوانب هامة من طبيعة العمل، فمن يوضح كيفية اتخاذ تلك القرارات، ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون القرار خاطئاً؟