يتواجه الماضي والحاضر في قاعةٍ باردة تتطاير فيها أصداء التاريخ كما لو أنّهما على منصةٍ واحدة. هنا، حيث أعلن تشرشل عن إغراق البارجة «البسمارك» إبّان الحرب العالمية الثانية، تعود القاعة نفسها اليوم كي تُنصت إلى أصواتٍ أخرى: جرّاحون أنهكهم المشرط بلا مسكنات، أمّهات فقدن أبناءهن في دقائق، وقانونٌ دوليّ يطرق باب السياسة البريطانية بملفٍ ثقيل. هكذا تبدأ الحكاية التي يحاول جيريمي كوربن Jeremy Corbyn أن يكتب فصلها الجديد عبر “محكمة غزة”، في اختبار علنيّ لضمير الدولة ومسؤوليتها.
محكمة غزة كمنصّة ضغط موازية للبرلمان
اختار كوربن قاعة «تشيرش هاوس» في 4–5 سبتمبر لعقد جلسات استماع مستقلة بعد تعثّر مساعيه لانتزاع تحقيق رسمي بدور بريطانيا في حرب غزة، مُحوِّلاً المكان من بديلٍ مؤقّت لمجلس العموم زمن القصف إلى مسرحٍ أخلاقيّ يُشهِد الغزّيين والأطباء والصحفيين على ما جرى. وقد أعلنت المقرِّرة الأممية الخاصة فرانتشيسكا ألبانيزي Francesca Albanese أن فلسطين “مسرح جريمة”، بينما روت جرّاحة بريطانية عملت في غزة كيف أجرت بتر أطراف لأطفال دون مسكّن كافٍ. وهذه الشهادات لم تكن إنشاءً بل وقائع موثّقة في جلسات “محكمة غزة” التي قادها كوربن بإنصاتٍ غاضب.
في موازاة ذلك، كان المشهد الميداني يزداد قتامة مع إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على مساحات واسعة من غزة المدينة وتفاقم النزوح، فيما بقي وقف إطلاق النار بعيد المنال. هذه التطورات جعلت “محكمة غزة” تبدو كمحاولة لتجسير فراغ المساءلة حين تغيب تحقيقات الدولة وتتأخر لجانها.
وتأتي الجلسات عشية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 سبتمبر، حيث تلوح موجة اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية، بينما تربط لندن اعترافها بشروط مسبقة لم تتحقق بعد، مع تبدّل في حقيبة الخارجية وتولّي يفيت كوبر Yvette Cooper المسؤولية. وبين سطور هذا الإيقاع الدبلوماسي، يحاول كوربن أن يدفع الحكومة نحو مراجعة دورها القانوني ومسؤوليتها عن “التواطؤ”، بحسب وصفه، بإصدار تقرير نهائيّ لنتائج “محكمة غزة” يسلّط الضوء على انتهاك المعايير الدولية وإرث بريطانيا في دعمها أو سكوتها.
شقوق في الداخل البريطاني
لم تنطفئ نار الغضب داخل اليسار البريطاني، وهو ما يفسّر اهتمام الصحافة بملامح حركة كوربن الوليدة “حزبكم” التي يقودها مع النائبة زارا سلطانة Zarah Sultana، وتقاطعاتها مع حزب الخُضر بقيادة زاك بولانسكي في استهداف مقاعد اهتزّت بسبب غزة. بالنسبة لكوربن، لا تبدو “محكمة غزة” مجرد منصة رمزية، بل أداة تعبئة سياسية وأخلاقية معاً، تُعيد ترتيب الأولويات.
ما الذي يمكن أن تغيّره محكمة غزة؟
حتى لو لم تُجبر الحكومة فوراً على لجنة تحقيق على شاكلة تشيلكوت، فإن تراكم الشهادات يمنح المجتمع المدني والصحافة والقضاء مادةً صلبةً لمساءلة السياسات: من تراخيص تصدير السلاح، إلى خطوط الاتصال الدبلوماسية، وصولاً إلى التزام بريطانيا العمليّ بالقانون الدولي الإنساني. قيمة “محكمة غزة” هنا ليست في سلطتها الإجرائية، بل في إلزامها الرمزي والأخلاقي الذي يفضح الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الضحايا، ويضع الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سياقه الصحيح: كخطوة سياسية لا ينبغي أن تُختَزل في “موافقة الطرف المُحتلّ” أو تُقيَّد بشروط تُفرغ الفعل من مضمونه.
بين الاعتراف والمحاسبة
ختاماً، إذا كان الاعتراف بفلسطين سيُرسِل إشارة دبلوماسية، فإن المحاسبة على الأفعال تُرسِل إشارة أقوى، لأن القانون الدولي لا يعيش في الخطب بل في أثره على حياة المدنيين. وهذا ما تراهن عليه “محكمة غزة”: أن تُبقي المرآة مرفوعة في وجه صانع القرار، وأن تُذكِّره بأن العدالة ليست ترفاً أخلاقياً ولا مزاداً انتخابياً، بل عقداً مُلزِماً مع الإنسانية، من لندن إلى غزة…
اقرأ أيضاً: بريطانيا تتجهز لإسقاط المساعدات جواً إلى غزة