شهدت نتائج امتحانات المستوى A هذا العام في إنجلترا ارتفاعاً قياسياً بعد مرحلة الوباء الطويلة، إلا أن الفجوة التعليمية بين لندن وبقية المناطق لا تزال تتسع، خاصة في شمال شرق إنكلترا وشرق الميدلاندز. وتعكس هذه النتائج التفاوت المستمر في فرص التعليم وجودة المدارس، حيث تبرز تجربة لندن كنموذج ناجح للتحسين، بفضل برامج مثل “تحدي لندن” و”Rise” التي أثبتت أن الاستثمار في القيادة المدرسية، المعلمين، ودعم المجتمع يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً في حياة الطلاب. في هذا المقال، نستعرض العوامل التي تجعل مدارس لندن تتفوق على باقي مناطق إنجلترا، ونحلل الجهود الحكومية لمعالجة الفجوات التعليمية المتباينة.
أسباب تفوق مدارس لندن على باقي مدارس إنكلترا
1. مبادرة “تحدي لندن”
في عام 2003، أطلقت حكومة توني بلير Tony Blair برنامجاً شاملاً لتحسين المدارس في العاصمة، التي كانت تعتبر من بين الأسوأ في البلاد. بلغت ميزانية المبادرة ذروتها 40 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وركزت على التعاون مع السلطات المحلية، والاستثمار في قيادة المدارس، بناء مدارس ثانوية جديدة ومدارس للصفوف العليا، بالإضافة إلى التوسع في الأكاديميات الجديدة والقائمة، وإنشاء مدارس موسعة تقدم خدمات للطلاب وأسرهم خارج ساعات الدراسة.
نتيجة هذه الجهود، حصل 30% من مدارس لندن على تصنيف “متميز” في عام 2010 من قبل مكتب معايير التعليم وخدمات الأطفال والمهارات (Ofsted)، مقارنة بنسبة 17.5% على المستوى الوطني. على الرغم من توسيع برنامج “تحدي المدارس” لاحقاً ليشمل مانشستر Manchester الكبرى ومنطقة بلاك كانتري Black Country، تبقى لندن أبرز قصة نجاح.
2. جودة المعلمين
تجذب لندن عدداً أكبر من المعلمين نظراً للأجور المرتفعة والفرص الثقافية والاجتماعية، مما يرفع مستوى التعليم المقدم. كما ساهم برنامج “التعليم أولاً” الذي بدأ في 2002 في تجنيد خريجي الجامعات للتدريب كمعلمين في المدارس الصعبة، وكان التركيز الأكبر على مدارس لندن، حيث ضمت العاصمة أكثر من ربع مدارس البرنامج في 2019.
3. التحديث السكاني
شهدت لندن تغيراً في تركيبها الاجتماعي والاقتصادي، إذ فضلت العائلات الشابة البقاء في المدينة بدل الانتقال للضواحي. أدى هذا إلى تحول أحياء كانت فقيرة سابقاً مثل هاكني Hackney وتاور هامليتس Tower Hamlets وبريكستون Brixton إلى مناطق أكثر ميلاً للطبقة المتوسطة، ما انعكس على دخول عدد أكبر من الطلاب من عائلات ذات مستويات تعليمية مرتفعة، وبالتالي تحسين النتائج الأكاديمية للمدارس.
4. تأثير الهجرة
تعد لندن أكثر المناطق تنوعاً عرقياً في المملكة المتحدة. وتشير الدراسات إلى أن الأسر المهاجرة غالباً ما تتمتع بطموحات تعليمية عالية لأطفالها، ما يعرف أكاديمياً بـ “تأثير لندن”. وفقاً لما ذكره وزير التعليم السابق مايكل جوف Michael Gove في 2017، فإن زيادة التنوع في لندن ساهم في رفع مستوى التعليم. ومع ذلك، تشير أبحاث كلية كينجز كوليدج King’s College إلى أن المدارس اللندنية تتفوق على باقي مناطق المملكة حتى عند النظر فقط إلى الطلاب البيض، ما يدل على عوامل أخرى تعزز التفوق الأكاديمي.
5. وفرة المدارس والخيارات التعليمية
تتمتع لندن بتركيز أعلى للمدارس في مناطق محددة، ما يمنح الأسر خيارات متعددة لاختيار المدارس التي تتناسب مع اهتمامات أبنائها ومستواهم الأكاديمي. كما يتيح التنقل بين مدارس العاصمة للطلاب الوصول إلى مدارس متخصصة ربما لم يكن بإمكانهم الالتحاق بها لولا ذلك.
خطة تحسين المدارس وتأثير تجربة لندن
حرك نتائج امتحانات المستوى A الذي صدر هذا الأسبوع، والذي بيّن اتساع الفجوة بين مدارس لندن والمدارس خارج جنوب شرق إنجلترا، الحكومة البريطانية ووزارة التعليم لاتخاذ اجراءات سريعة في دعم المدارس المتعثرة، وتوسيع نجاح تجربة لندن على باقي مدارس إنكلترا.
وقد أوضحت وزيرة التعليم، بريدجيت فيليبسون Bridget Philipson، أن خطتها لتحسين المدارس في جميع أنحاء إنجلترا تعتمد على أفضل ما قدمه برنامج “تحدي لندن” الناجح في حكومة حزب العمال السابقة، والذي أحدث تحولاً ملحوظاً في نظام المدارس بالعاصمة. تستهدف الخطة الآن المدارس المتعثرة في مناطق أخرى، مع تطبيق الأساليب التي أثبتت فعاليتها في لندن.
إطلاق برنامج Rise لتحسين الأداء
رداً على هذه الفجوة، أعلنت الوزارة عن مضاعفة عدد المدارس المستفيدة من برنامج “Rise”، الذي يركز على دعم “المدارس العالقة” ذات التقارير السيئة المتكررة. يهدف البرنامج إلى تحويل هذه المدارس من خلال دعم خبراء من قادة مدارس ذوي خبرة، وإقامة شراكات تعليمية قوية، بالإضافة إلى تقديم تمويل إضافي يصل إلى 200,000 جنيه إسترليني على مدى عامين لكل مدرسة.
وقالت فيليبسون: “تركز خطتنا بشكل خاص على المناطق التي يكون فيها الأداء أضعف، لضمان حصول كل طفل على الفرص التي يستحقها بغض النظر عن مكان نشأته.”
يحظى برنامج Rise بدعم خبراء التعليم الذين شاركوا في تحدي لندن منذ بدايته عام 2003، مثل وزير التعليم السابق ديفيد بلانكيت David Blunkett والسير كيفان كولينز Kevan Collins. وأكد بلانكيت على أهمية التدخل المبكر لفرق Rise في تقليص الفجوات وتهيئة بداية أكثر مساواة للشباب، مما يمكّنهم من تطوير مواهبهم والاعتماد على أنفسهم.
ومن خلال برنامج تحدي لندن، اعتمدت الحكومة على البيانات لتحديد المدارس الأكثر حاجة للتدخل، وعملت مع السلطات المحلية لإصلاح القيادة المدرسية والثقافة التعليمية، إلى جانب إشراك أولياء الأمور والمجتمعات المحلية. بحلول عام 2010، ارتفعت نسبة المدارس المصنفة “جيدة” أو “متميزة” في لندن إلى أعلى مستوى بين مناطق إنجلترا، خاصة في أحياء مثل تاور هاملتس، حيث لعب كولينز دوراً محورياً.
المرحلة الأولية لتطبيق Rise
بدأت المرحلة الأولى من برنامج Rise بعد تحديد 600 مدرسة بحاجة ملحة للدعم، وتمت مطابقة أكثر من 200 مدرسة مع مستشارين وشركاء لوضع خطط تحويل معتمدة، مع إمكانية الحصول على تمويل يصل إلى 200,000 جنيه إسترليني على عامين. ومن المخطط إضافة 200 مدرسة أخرى في الخريف مع بدء العام الدراسي الجديد، كدليل على اهتمام الحكومة بالتحسين السريع.
أكد كولينز أن التركيز في برنامج Rise على السرعة والحزم، لأن التدهور المستمر في المدارس يرسخ الانحدار ويجعل إصلاحه أكثر صعوبة. وأضاف أن نجاح تحدي لندن كان ناتجاً عن وضوح الجهود والقيادة القوية والمستدامة، وهو ما يسعى Rise لتكراره.
يشير جون كولز John Coles، المدير السابق لتحدي لندن، إلى أن المناطق الداخلية للعاصمة كانت قبل عشرين عاماً من بين الأسوأ أداءً، والآن تتفوق على معظم المناطق الأخرى في البلاد، ويؤكد كولز أن التحسن ممكن بشرط وجود استراتيجية واضحة، تعاون واسع، وقرارات حاسمة من جميع الأطراف المعنية.
الفجوة الحالية بين لندن والمناطق الأخرى
أظهرت نتائج امتحانات المستوى A أن 32% من الطلاب في لندن حصلوا على درجات A* أو A، مقارنة بأقل من 23% في شمال شرق إنجلترا، فيما تبين أن الشباب في الشمال الشرقي أقل فرصة للالتحاق بمستويات A مقارنة بأقرانهم في لندن والجنوب الشرقي. وأظهر بحث وزارة التعليم أن أكثر من نصف الطلاب المؤهلين للحصول على وجبات مدرسية مجانية في وسط لندن التحقوا بالتعليم العالي بحلول سن 19، مقابل 22% فقط في شمال شرق إنجلترا وشرق الميدلاندز Midlands.
اقرأ أيضاً: منع الهواتف الذكية في مدارس لندن يطال الآلاف