قضية هزت الرأي العام البريطاني بعدما تم اكتشاف أن مدير دار جنازات لم يكن يدفن الموتى، ويستغل الناس عبر إعطائهم رمادًا لغير أحبائهم، وعدا عن جرائم أخرى تقشعر لها الأبدان. وأخذت هذه القضية أصداءً كبيرة بسبب حساسية الموضوع، فحرمة الميت في هذه القضية تُنتهك، وأهاليهم وأحباؤهم يتعرضون للاستغلال. لذلك كان الحكم منصفاً لهم بحبس المدير عشرين عاماً، وسط محاولات حكومية لتحسين عمل أصحاب المدافن، ومعاقبة المخالفين منهم.
كيف بدأت القصة؟
في تفاصيل القضية التي بطلها روبرت بوش Robert Bush، كان الأخير يدير شركة ليجاسي Legacy المستقلة لخدمات الجنائز في مدينة هال شمال إنجلترا. وخلال سنوات كان يقوم بإجراءات دفن الموتى أو حرق جثامينهم، وذلك كله وسط اعتقاد العائلات أن موتاهم يُدفنون بكرامة.
غير أن الحقيقة كانت مختلفة ومرعبة في نفس الوقت، فقد تم اكتشاف أمر بوش عام 2024، بعدما كان يقضي إجازته في ولاية أريزونا الأمريكية، وطلب من شركة جنازات أخرى مساعدته في نقل إحدى الجثث. وأثناء وجود العاملين في مقر الشركة، أخبرهم أحد الموظفين المؤقتين أن هناك جثامين متروكة داخل المبنى منذ سنوات.
ومع حجم الصدمة التي تلقاها عاملو الشركة الأخرى، كان الإبلاغ عنها بسرعة هو خيارهم الأول. وما إن دخل المحققون إلى المبنى حتى وجدوا ما وصفه الادعاء فيما بعد بأنه “مشهد مرعب”، حيث تم العثور على 35 جثة داخل دار الجنازات، كان الكثير منها مكشوفاً وفي مراحل مختلفة من التحلل، بعدما تُركت دون عناية لفترات طويلة. كما كانت بعض الجثامين موضوعة على رفوف داخل غرف التبريد، بينما وُجدت جثة أخرى ملقاة على نقالة بطريقة لا تليق بحرمة الميت. ومنذ تلك اللحظة، انكشفت فضيحة من أكبر الفضائح التي شهدها هذا القطاع في بريطانيا.
صدمة العائلات كانت أكبر من أي وصف
لا بد أن الكثير من الناس يتساءلون عن ردة فعل العائلات التي سلمت جثث موتاها لهذا الدار. غير أن الصدمة بالنسبة لهم لا تقتصر على الجثث المرمية دون أي احترام، بل انتقلت إلى الخداع، فقد أظهرت التحقيقات أن نحو 50 شخصاً استلموا رماداً لا يعود إلى أحبائهم، بعدما عثرت الشرطة داخل دار الجنازات على أوعية تحمل أسماء متوفين لم تُسلَّم رفاتهم الحقيقية إلى عائلاتهم.
ومن أكثر القصص التي أثرت في البريطانيين قصة الأم ياسمين بيفرلي Yasmin Beverley، التي فقدت طفلها ساني Sonny بعدما وُلد ميتاً في مايو 2022. فقد سلمها روبرت بوش صندوقاً صغيراً وأخبرها أن رماد طفلها بداخله. لكنها اكتشفت بعد أكثر من عام أن ذلك لم يكن صحيحاً، وأن رماد طفلها الحقيقي بقي موجوداً داخل كيس ورقي في مقر دار الجنازات.
وفي اعتراف آخر ضد بوش، قال والدان إنهما تسلما رماداً اعتقدا أنه يعود لطفلهما الذي وُلد ميتاً، لكن الفحوص أثبتت أن الرماد يعود في الحقيقة إلى شاب بالغ، بينما عُثر على جثمان الرضيع داخل كيس ورقي في مقر الشركة. وطبعاً كانت هاتان الحادثتان جزءاً من مجموعة من الانتهاكات التي مست كرامة الموتى وانتهكت مشاعر عائلاتهم.
احتيال استمر سنوات طويلة
قد تعتقد أن جرائم بوش انتهت! لكن الواقع والاعترافات تتحدث أيضاً عن قيامه بعمليات احتيال مالي طالت 172 شخصاً، وحصل فيها على نحو 562 ألف جنيه إسترليني، حيث باع خطط جنازات وهمية، وأخذ أموالاً مقابل خدمات لم ينفذها.
كما كان يجمع تبرعات نقدية خلال مراسم التأبين، مدعياً أنها ستذهب إلى جمعيات خيرية، لكنه احتفظ بهذه الأموال لنفسه. وبعد اكتمال التحقيقات، وصل عدد الجرائم المختلفة التي اعترف بها بوش إلى 67 تهمة، منها الاحتيال، ومنع الدفن الكريم والقانوني، وسرقة أموال مخصصة للأعمال الخيرية، بالإضافة إلى خداع العائلات بشأن مصير جثامين ذويهم.
وخلال جلسات المحاكمة، استمعت المحكمة إلى شهادات أكثر من 200 متضرر، تحدثوا عن التأثير النفسي الذي سببته جرائم بوش لهم.
ولذلك أصدرت المحكمة البريطانية حكماً بسجن روبرت بوش لمدة 20 عاماً، وقال القاضي نيكولاس هيلارد Nicholas Hilliard حول هذه القضية إن المرعب هو أن كثيراً من العائلات لن تعرف أبداً ما الذي حدث فعلاً لأحبائها، أو أن الرفات التي تحتفظ بها قد لا تكون للمتوفى لديها.
ماذا بعد هذه القضية؟
تأثيرات القضية لم تتوقف عند مقاضاة المذنب، بل دفعت الحكومة البريطانية إلى مراجعة طريقة تنظيم قطاع خدمات الجنائز بالكامل. فقد أعلنت عن إجراءات سيتم اتخاذها بالتعاون بينها وبين العائلات ومقدمي خدمات الجنائز، بالإضافة إلى الجهات الدينية والمهنية، لوضع قواعد صارمة تضمن معاملة المتوفين باحترام، وتعيد ثقة العائلات بالمؤسسات التي تقوم بدفن موتاهم.
ورحبت المؤسسات المهنية العاملة في هذا القطاع بهذه الخطوة، مؤكدة أن تشديد الرقابة لن يحمي العائلات فقط، بل سيدعم أيضاً دور دور الجنائز التي تعمل بمهنية وتلتزم بالمعايير الأخلاقية.
كما شددت مؤسسات تمثل الجاليات الدينية في بريطانيا على أن احترام المتوفى وشفافية إجراءات الدفن ليسا مجرد إجراءات إدارية، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا يمكن التهاون فيها.
في النهاية، للميت حرمة لا يجب الاستهانة بها، والجرائم التي قام بها روبرت بوش لا تمس فقط القانون، بل أيضاً تنتهك مشاعر العائلات، وتزعزع الثقة بالمؤسسات المهنية القائمة بأعمال الجنائز. وهنا يأتي دور الجهات الرسمية بوضع قواعدها الصارمة.
اقرأ أيضاً: بريطانية تتحدث مع أقاربها أثناء جنازتها.. وقريباً: تقنية تعيد الموتى إلى الحياة في المملكة!