أخبار الفن
مسرحية “كيما اليوم”: نداء لإنقاذ البشرية!
نشر
منذ شهر واحدفي
1٬547 مشاهدة
الكاتبة: منية كواش
يرى الفيلسوف أفلاطون أن” الفنّ يحاكي الواقع لإعادة تشكيله في قالب إبداعي، يجمع بين الحقيقة والجمال”. ويعتبر الكاتب الروسي “تولستوي” أن النشاط الفني يبنى على الإنسان الذي يتلقى بواسطة السمع أو البصر أحاسيس إنسان آخر بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها”. فنستخلص من القولين أن المسرح يحمل رسالة عميقة، تتجاوز حدود متعة الفرجة وحدود المكان والزمان لتلامس شعور الإنسان عبر العصور وتخاطب عقله وتؤثر فيه وتحفزه على التأمل والتفكير النقدي لتشكيل وعي جمالي وآخر أخلاقي، يساعده على تعزيز هويته وتطوير إنسانيته.
حرف الباء يفصل بين بشر وشر
وهذا ما سعت إلى إبرازه وتجسيده ليلى طوبال في أعمالها المسرحية وخاصة مسرحيتها ” كيما اليوم” التي اختصرت موضوعها بقولها “لمّا يسقط حرف الباء من بشر يبقى شر”. معبرة بذلك عن تأرجح الكائن البشري بين الشر والخير وتغليبه في أغلب الأوقات لكفة الشر بدافع أنانيته وخدمة لمصلحته، ويتجرد من إنسانيته في حين هي جوهره وبوصلته.
و”كيما اليوم” يرادفها بالعربية الفصحى كهذا اليوم، وهي مسرحية كتبتها ليلى طوبال وأخرجتها وصممتها سينوغرافيا لتعبر من خلالها عن ذاتها وتترجم بها عن هواجسها. عرضتها في مهرجانات عديدة، وشاركت بها ضمن فعاليات المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي للهيئة العربية للمسرح، المنعقدة بجمهورية مصر العربية في دورتها الأخيرة من 10 إلى 16 يناير 2026.

الأرض تتدخل لتنقذ أبناءها
إنطلقت مسرحية “كيما اليوم ” بنص مسجّل يعلن لمجموعة بشرية عن خطر قادم سيتسبب في انقراض الإنسانية جمعاء، ليستدرك الصوت ويدلّهم على حل واحد ووحيد ،قادر على إنقاذهم من هلاك قادم، فيأمرهم بتخزين رصيد من الخلايا الجنسية الآدمية وحفظها في جوف الأرض، لحمايتها من الدمار، لكن هذا الحل تبخّر بتعرض الشاحنة الحاملة لتجهيزات خزن الخلايا إلى حادث طريق.
تملّك المجموعة رعباً شديداً، فاجئها الصوت بنجاة خلية ذكرية وأخرى أنثوية، إحتضنتهما الأرض فأنجبت طفلة هي “دنيا” وها هي تهبها لهم. رغم هذه التحذيرات المتكررة لم تتعظ المجموعة من الدرس وواصلت أنانيتها وظلمها ومتاهتها، فقررت الأرض معاقبتها وإنتزعت منها الطفلة “دنيا” وأخفتها في رحمها.
عاشت المجموعة من جديد توتراً وصراعاً وانقساماً، وشرعت في البحث عن الطفلة بأساليب طغى عليها القهر، لكن ليلى طوبال المعروفة بدعواتها وتشبثها بالأمل والتسامح من خلال مواقفها وأعمالها لم تيأس من عودتهم إلى صوابهم، فمنحتهم فرصة أخرى وأعادت لهم “دنيا”.

مسرحية عن الوجع والصراع الإنساني
تطرقت طوبال في مسرحية “كيما اليوم” إلى أسئلة المعنى والقلق وإثبات الذات والبحث عن الجوهر، فجعلت من شخصيات مسرحيتها، شخصيات مأزومة، تائهة، حائرة، تتساءل بحرقة، تتألم وهي تقاوم الفقد والموت والعنف والكراهية. جسّدت في مسرحيتها الصراع الإنساني الأزلي ودعت لترجيح كفة الخير بالإستمرار في التعاطف مع القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ناشدت الإنسان في كلّ شبر من الأرض ألاّ يبقى صامتاً، لا مبالياً أمام الحروب في العالم، وخاصة حرب الإبادة في غزة، ونبهته من ظاهرة الاعتياد على الظلم والتفريط والتجرد من إنسانيته، وحثته على التمسك بالأمل.

للمسرح رسالة إنسانية
تؤمن ليلى بتقاطع المسرح مع المبادئ الإنسانية ومع العدالة الاجتماعية فهو في نظرها ليس فناً ترفيهياً وفرجوياً فقط بل هو التزام ورسالة، لذلك جعلت منه قوتها الناعمة واتخذت منه أداتها التي تعبر بها عن أفكارها ووعيها وتستلهم منها دورها الإنساني، فتطرح من خلاله قضايا تستمدها من واقعها التونسي والعربي والعالمي، وتشارك في الحياة العامة عبر مواقفها المعلنة والواعية من الأحداث الراهنة. وقد عبرت في مسرحية “كيما اليوم” عن وجعها وحزنها مما ألمّ بالعالم من مصائب وصراعات وحروب، أبت التوقف فأرهقت النفس البشرية وجعلت العواطف تتبلد.
أرسلت للمتفرج رسائل واضحة بغية التأثير فيه وتحريك مشاعره فيتفاعل معها بشكل إيجابي ويتحول إلى مشارك فعلي في إنتاج المعنى المطلوب، لبلوغ لحظة إبداع مشتركة تكون فرصة لكل منهما لاكتشاف ذاته من خلال الآخر.
نهاية العالم كردّ فعل على الظلم والتوحش
جمعت ليلى طوبال في مسرحية “كيما اليوم بين الواقعي والخيالي، واعتمدت منظوراً فلسفياً وجودياً فركّزت على الجانب الواقعي والسوداوي للأحداث الجارية في العالم، وتخيّلت نهاية العالم وفناء البشرية كرد فعل على البشاعة والوحشية المنتشرة في العالم. وأطلقت صرخة فزع لترجّ وتزعزع بها المتفرج فتثير حيرته وتدفعه لإعادة التفكير في مواقفه وفي طرق إرتباطه بهذا العالم المتوحش، عله يقتنع فيخرج من منطقة رفاهيته ولامبالاته ويستمر في التعاطف مع المظلوم حتى لا يصبح الظلم عادة تهدد الجميع ونظاماً يسيّر العالم.

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لهروب عريس التونسية لمياء اللباوي يوم زفافها وماذا قال عريسها الهارب؟
تعبير جسدي عن قلق وجودي
اختارت ليلى طوبال تغليب التعبير الجسدي على التعبير اللغوي وعلى الكلام المنطوق في مسرحية “كيما اليوم”، فالجسد يعبر أكثر من الكلمات المنطوقة عن فكرة المسرحية، ويبرز العواطف والأحاسيس بشكل أدقّ، ويعرّي خبايا النفس البشرية ويترجم المزاج المتغير الشعور المخفي. لذلك جعلت شخصيات مسرحيتها تترجم قلقها الوجودي من يأس وألم وحيرة وعجز أمام الفقد، بلوحات راقصة وبحركات جسدية متنوعة واقعية ومتخيلة، تتغير وتختلف من وضع لآخر.
عبر الممثلون عن الألم والوجع والخوف والحيرة والتأمل من خلال تفاصيل أجسادهم المنهكة وتقاسيم وجوههم المتعبة وحركاتهم المضطربة برقصهم وذهابهم ومجيئهم فصوروا حالاتهم الوجدانية المعقدة وبحثهم عن ذواتهم بذهولهم وحيرتهم وحزنهم المنحوت على وجوههم وحيرتهم المرسومة في نظراتهم ومن خلال صمتهم المعبر عن ضعفهم وضياعهم
عمق المسرحية واعتمادها التجريد لم يخلّ بجمالها
اعتمدت ليلى طوبال سينوغرافيا وديكوراً متواضعاً، لايزيد عن جدار به دوائر وثقب لترمز بها إلى الذاكرة الإنسانية المثقوبة والمحاصرة. كما جعلت الإضاءة تتحدث عن شخصيات مسرحيتها تارة بعتمتها وأخرى بإضاءتها لتشير إلى تأزمها وفراغها.
نجحت الكاتبة والمخرجة ليلى طوبال في تمكين فريق الممثلين المتكوّن من مايا سعيدان (الطفلة) وأصالة نجار ودينا وسلاتي وفاتن شرودي وخديجة محجوب وآمان الله التوكابري، من تقديم عرض مسرحي، يغلب عليه التجريد والرمزية دون أن تفقد القصة خيطها الرابط بين المشاهد والصور العديدة والمختلفة فجمعت المسرحية بين جماليات السينوغرافيا وعمق الأسئلة المحيرة ووزعت المشاهد الانفعالية بشكل مدروس، بين صخب وهدوء مخادع ولحظات صمت تعكس عمق الألم أكثر من الصراخ، وتغوص في أغوار الإنسان لتجسد تناقضاته الداخلية وتحوّله السريع من البهجة الوهمية إلى الكآبة الواقعية، برمزية مكثفة وبإشارات تعكس اختلال موازين القوى والتهديد المحدّق، والامكانية الدائمة للعنف المتأصل في كل إنسان.
لم يقتصر الممثلون على الآداء فحسب بل تصرفوا وأضافوا وشاركوا المتفرج بالغناء والرقص وبالبناء والهدم وأرسلوا له رسائل بصرية، نبعت من ذواتهم فجعلته يشعر بضياعهم ويشاركهم تأزمهم ويتساءل مثلهم عما يحدث في العالم من دمار وصراع ونزاعات، تؤكد في كل مرة تفاهة العالم وتضحيته بإنسانيته بدافع أنانيته.

مسرحية محذرة من ظرف عالمي مخيف
يبدو أن فكرة المسرحية ودعوتها للتعاطف وإلى عدم التجرد من المبادئ الإنسانية، جاءت في أوانها إذ تمرّ البشرية هذه الفترة بتحولات دولية كبرى، تطغى عليها التوترات، يتصاعد فيها العنف ونسمع فيها يومياً أخباراً عن الإنفجارات وعن قتل الأطفال في الحرب المتواصلة على غزة وعن حروب جديدة باتت وشيكة.
فهل يعود هذا الوضع العالمي المخيف إلى إفتقاد القواعد والقيم الإنسانية وإلى طغيان فعل الشر وصدوره لأتفه الأسباب مع تبريره والسكوت عنه؟ وهل هذا الكمّ المهول من الشر، يؤذن باندلاع حرب عالمية ثالثة بعد أن فقدت القواعد القديمة والمبادئ المنصوص عليها بميثاق الأمم المتحدة مكانتها ونفوذها؟
اقرأ أيضاً: د. سُنيا مبارك وزيرة الثقافة التونسية الأسبق لأرابيسك لندن: نحتاج إلى حوار حضاري عربي!
اقرأ أيضاً: من هي سيدة الأعمال السعودية نبيلة التونسي؟
فيديوهات الذكاء الاصطناعي تتفجر على السوشال ميديا مع التوترات الإقليمية
حاملة HMS Prince of Wales على أهبة الإبحار: ماذا يعني تقصير “جاهزية التحرك” إلى 5 أيام؟
التكنولوجيا والغذاء.. كيف تفسر العلوم تأثيرهما على سلوك الإنسان؟
مضيق هرمز في خطابات داوننغ ستريت: لماذا صار “أمن الطاقة” ملفاً يومياً؟
الحرب الإيرانية الأمريكية تطرق أبواب محفظتك: كيف تؤثر على الأسعار؟
قفزة 10% في الفواتير! .. لماذا تسحب شركات الطاقة عروضها؟
بريطانيا تأمر بتعليق تأشيرات الطلاب لأربع دول!
هل دولتك ضمنها؟ تعرف على أكثر الدول أماناً من الحروب العالمية الكبرى
قفزة عوائد الجيلت: لماذا «تخاف» الأسواق… وماذا يعني ذلك لضرائب 2026؟
