تشهد المملكة المتحدة حراكاً تشريعياً جديداً يهدف إلى تعزيز حرية الصحافة وحماية المبلغين عن المخالفات من الدعاوى القضائية التي تُستخدم لإسكات الأصوات الناقدة. فقد طُرحت خلال الأيام الماضية مشروعات قوانين داخل البرلمان البريطاني تستهدف مواجهة ما يُعرف بالدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPPs)، وهي دعاوى قانونية يلجأ إليها أفراد أو جهات نافذة للضغط على الصحفيين والناشطين وتحميلهم أعباء مالية وقانونية كبيرة، بما يحد من قدرتهم على نشر المعلومات ذات المصلحة العامة.
تحرك برلماني لمواجهة الدعاوى الكيدية
شهد البرلمان البريطاني تقديم مشروعَي قانون متقاربين في أهدافهما خلال أقل من 24 ساعة، في خطوة تعكس تنامي القلق من استخدام النظام القضائي كوسيلة للضغط على الصحفيين والمبلغين عن الفساد. وقد قادت هذا التحرك شخصيات من حزب المحافظين، من بينها Tina Stowell و John Whittingdale، اللذان دعوا إلى وضع آليات قانونية تمنع استغلال المحاكم لإسكات التحقيقات الصحفية أو الحد من حرية التعبير.
ويحظى المشروعان بدعم سياسي واسع يتجاوز الانتماءات الحزبية، إذ تشير تقارير إلى وجود تأييد من أطراف سياسية متعددة، إضافة إلى اهتمام من الحكومة العمالية بقيادة Keir Starmer، التي سبق أن تعهدت بتعزيز حماية الصحفيين وحرية النشر.
اقرأ أيضاً: مشروعات الطاقة النظيفة فوق القضاء؟ جدل تسريع البنية التحتية في إنجلترا وويلز
ما هي دعاوى SLAPPs ولماذا تثير القلق؟
تشير دعاوى SLAPPs إلى القضايا القضائية التي تُرفع ضد صحفيين أو باحثين أو ناشطين بهدف إرهاقهم مالياً وقانونياً، حتى لو كانت فرص نجاح الدعوى محدودة. وغالباً ما يتمتع مقدمو هذه الدعاوى بقدرات مالية كبيرة تسمح لهم بتمويل إجراءات قضائية طويلة ومكلفة.
ويرى المدافعون عن حرية الصحافة أن الخطر لا يكمن فقط في الأحكام القضائية المحتملة، بل في التكلفة الباهظة للدفاع القانوني، والتي قد تصل إلى ملايين الجنيهات الإسترلينية في بعض القضايا. لذلك فإن مجرد التهديد بالملاحقة القضائية قد يكون كافياً لردع الصحفيين عن نشر معلومات حساسة تتعلق بالفساد أو إساءة استخدام السلطة.
آليات قانونية جديدة لحماية الصحفيين
تتضمن المقترحات الجديدة منح القضاة صلاحيات أوسع لرفض الدعاوى الكيدية في مراحلها المبكرة إذا تبين أنها تستهدف قضايا ذات مصلحة عامة. كما تسمح بإلزام المدعين بدفع التكاليف القانونية للطرف الآخر في حال ثبوت سوء استخدامهم للإجراءات القضائية.
ويرى مؤيدو هذه الإصلاحات أن تسريع البت في مثل هذه القضايا سيمنع تراكم النفقات القانونية ويضمن عدم تحول المحاكم إلى أداة للترهيب. كما يمكن أن يوفر حماية أكبر للصحفيين الاستقصائيين والمبلغين عن المخالفات وضحايا الاعتداءات الجنسية الذين يواجهون أحياناً دعاوى انتقامية بعد كشفهم للمعلومات.
بريطانيا تلحق بمسار إصلاحي دولي
لا تعد المملكة المتحدة الدولة الأولى التي تتجه نحو تشديد القيود على الدعاوى الكيدية، إذ سبق للعديد من الولايات في United States أن أقرت قوانين مشابهة تمنح المحاكم صلاحيات واسعة لرفض هذه القضايا بسرعة. كما اعتمد European Union (EU) توجيهات خاصة لمواجهة هذه الممارسات، رغم أن تطبيقها لا يزال متفاوتاً بين الدول الأعضاء.
ويرى مراقبون أن إقرار التشريعات الجديدة قد يشكل خطوة مهمة لتعزيز مكانة بريطانيا كبيئة داعمة لحرية الصحافة وحق الوصول إلى المعلومات، في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من الضغوط القانونية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفيين المستقلين.
بين حرية التعبير وحماية الديمقراطية
يعتبر المدافعون عن الإصلاحات المقترحة أن حماية الصحفيين والمبلغين عن الفساد لا ترتبط فقط بحقوق الأفراد، بل تمس جوهر النظام الديمقراطي. فإتاحة المجال أمام كشف المعلومات المتعلقة بالمصلحة العامة تسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد. ومع استمرار النقاشات داخل البرلمان البريطاني، تبدو فرص إقرار هذه الإصلاحات مرتفعة في ظل الدعم السياسي والإعلامي المتزايد، ما قد يفتح صفحة جديدة في حماية حرية التعبير والعمل الصحفي داخل المملكة المتحدة.