في ظلّ التغيرات والتحولات العالمية المدفوعة بالتطور التقني، تبرز خطة جدية هي الأجرأ في مسار الهندسة المدنية الحديثة، ألا وهي الربط بين قارّتي إفريقيا وأوروبا، من خلال تطبيق مشروع نفقٍ مائي ضخم لسكك حديدية تحت مضيق جبل طارق.
وتتجلى أهمية المشروع بالمزايا الاقتصادية والاجتماعية المحتملة عبر ربط ضفّتَي المتوسط، حيث سيكون بمثابة صلة الوصل بين Punta Paloma “بونتا بالوما” الإسبانية وPunta Malabata “بونتا مالاباتا” المغربية المعروفة محلياً باسم “رأس مالاباطا”.
للمزيد من التفاصيل عن أجرأ مشروع مائي عرفه التاريخ، تابع مقالنا التالي..
مشروع مائي قديم متجدد
تعود فكرة مشروع النفق البحري الذي سيُعتبر صلة الوصل بين المغرب (إفريقيا) وإسبانيا (أوروبا)، إلى عام 1930، وكان بمثابة طموح قاري مطروح من قبل إسبانيا لأول مرة، إلا أن العوائق الجيولوجية المتمثلة بصخور قاع البحر حالت دون تنفيذه، نظراً لمحدودية التطور التكنولوجي في ذلك الوقت.
ورغم الصدّ والرفض اللوجستي والجيولوجي، بقيت فكرة تنفيذ أضخم مشروع مائي حاضرة ضمن الخطط القارية الواعدة، حيث تم تشكيل لجنة مشتركة بين الدولتين المعنيّتين خلال عام 1979، لدراسة المشروع وتقييم إمكانية تنفيذه، ولكنّه قُوبِل بتحديات كبيرة تمثلت بوقوع المكان بمحاذاة صدع زلزالي، إضافة إلى العمق الذي يتميز به المضيق والذي يبلغ حوالي 900م، ما جعل فكرة المشروع من أكثر الأفكار الطموحة تعقيداً على مستوى العالم، حتى أن التحديات التي تواجهه تتخطى عوائق “نفق المانش” الذي يصل فرنسا ببريطانيا.
شريان اقتصادي حيوي ودمج اجتماعي
فيما عادت فكرة المشروع بقوة للطرح مجدداً مع مساعٍ حقيقية نحو تحويله واقعاً لا مجرد حلم قاري طال انتظاره، فمع اقتراب الحدث العالمي “كأس العالم لعام 2030” ، ضمن الملف المشترك بين إسبانيا والمغرب مع البرتغال، غدا المشروع ضرورةً استراتيجيةً بحجم تمويلي يُقدر بحوالي 6 إلى 15 مليار يورو.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لأضخم مشروع مائي، بتحوله الممكن إلى شريان رئيسي حيوي لعملية نقل البضائع، مع طاقة استيعابية سنوية تبلغ حوالي 13 مليون طن، بالتالي ستحقق المغرب هدفاً استراتيجياً بجعلها بوابة ذات أهمية عالمية للتدفق التجاري بين إفريقيا وأوروبا، وذلك بالاعتماد على البنية التحتية المتقدمة كقطار ” البراق” السريع على سبيل المثال، الأمر الذي يسهم في دعم سلاسل الإمداد إلى جانب تخفيض التكاليف اللوجستية بين قارتي إفريقيا وأوروبا بشكل استثنائي.
أما بالنسبة للآثار الاجتماعية، فيمكن لحلقة الوصل بين القارتين أن تخلق تحولاً جذرياً في منظومة التنقل العابر للحدود، فالتوقعات تشير إلى استقبال النفق المنشود لنحو 12.8 مليون مسافر بشكل سنوي، ما يعكس تقليص زمن الرحلات بشكل عام، وعلى سبيل المثال: يُتوقّع تقليص الزمن المستغرق في الرحلة من مدريد إلى الدار البيضاء لتصبح 5.5 ساعة، مقارنة برحلة السيارة أو العبّارة التي تستغرق 12 ساعة سفر متواصلة.
ختاماً، يتّضح أن أهمية هذه الخطة الاستراتيجية تتعدى كونها خدمة عابرة لمشجعي مونديال 2030، لتشمل أهدافاً أسمى وأوسع تتمثل بعدة نقاط يمكن تحقيقها عبر تنفيذ مشروع مائي ضخم يربط القارتين، وهي: توفير فرص وظيفية عابرة للقارات، إضافة إلى دعم الروابط والصلات السياحية والثقافية على حدٍّ سواء، فضلاً عن ترجمة مضيق جبل طارق للقرب والانخراط الاجتماعي والاقتصادي للشمال والجنوب على أرض الواقع.
اقرأ أيضاً: لغز جديد يحير العلماء .. ماذا يختبئ تحت مثلث برمودا؟!