مضيق هرمز في خطابات داوننغ ستريت: لماذا صار “أمن الطاقة” ملفاً يومياً؟
تابعونا على:

سياسة

مضيق هرمز في خطابات داوننغ ستريت: لماذا صار “أمن الطاقة” ملفاً يومياً؟

نشر

في

550 مشاهدة

مضيق هرمز في خطابات داوننغ ستريت: لماذا صار “أمن الطاقة” ملفاً يومياً؟

لم يعد مضيق هرمز في الخطاب البريطاني مجرد اسم جغرافي يُستدعى عند اشتداد التوترات الإقليمية، بل تحول إلى مرآة تكشف تشابك السياسة الخارجية بكلفة المعيشة داخل بريطانيا. فمنذ تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط يومي 5 و6 مارس 2026، بدا واضحاً أن داوننغ ستريت يتعامل مع المسألة بوصفها اختباراً يتعلق بسلامة الملاحة وبقدرة الدولة على حماية الأسر والسوق من صدمة أسعار جديدة. وهنا دخل ملف «أمن الطاقة» إلى الإيقاع اليومي للحكومة، لا كعنوان ثانوي، بل كقضية تمس الاقتصاد والقرار السياسي معاً.

أمن الطاقة من هرمز

وفق الحكومة البريطانية، فإن الخطر الآني لا يتمثل في انقطاع مباشر للغاز عن البلاد بقدر ما يتمثل في اضطراب الأسواق الدولية. ففي ورقة حقائق نشرتها وزارة أمن الطاقة وصافي الصفر في 6 مارس 2026، أكدت لندن أن إمدادات الغاز لن تتعطل، وأن نحو 1% فقط من إمدادات الغاز البريطانية في عام 2025 جاء من قطر. لكنها شددت أيضاً على أن بريطانيا تبقى معرضة لتقلبات أسعار الجملة لأن تكلفة النفط والغاز تتحدد في الأسواق العالمية.

وفي اليوم نفسه، أظهر بيان الاتصال بين قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا أن التنسيق بشأن مضيق هرمز أصبح بنداً مباشراً في المشاورات الأوروبية. هكذا صار «أمن الطاقة» ملفاً يومياً لأن الحكومة لا تراقب ممراً بحرياً بعيداً فقط، بل تراقب احتمال انتقال التوتر إلى الفاتورة المحلية.

المشكلة في السوق

هذا التقدير لا يعود إلى حساسية بريطانية خاصة، بل إلى وزن المضيق نفسه في تجارة الطاقة العالمية. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبر مضيق هرمز في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية، أي ما يعادل قرابة خمس الاستهلاك العالمي منها وأكثر من ربع النفط المنقول بحراً. وتضيف الوكالة الدولية للطاقة أن أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال عبرت المضيق في 2025، بما يمثل قرابة خُمس تجارة الغاز المسال عالمياً.

لذلك، حتى لو كانت الحصة القطرية المباشرة في مزيج الغاز البريطاني محدودة، فإن أي تعطل ممتد أو ارتفاع في كلفة التأمين والشحن سيدفع الأسعار العالمية إلى الأعلى. وبما أن بريطانيا، وفق توصيف حكومي متكرر، هي «متلقية للأسعار» لا «صانعة لها»، فإن أمن الطاقة يبدأ هنا من فهم السوق بقدر ما يبدأ من فهم الجغرافيا.

من أوكرانيا إلى الخليج

هذا الخطاب لم يولد مع أزمة هرمز وحدها، بل نضج منذ صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا. ففي قمة مستقبل أمن الطاقة التي استضافتها لندن مع الوكالة الدولية للطاقة في أبريل 2025، قال إد ميليباند إن العالم غير المستقر لا يمكن أن يعرف أمناً وطنياً أو دولياً من دون أمن الطاقة.

ومن هذا المنظور تقدم الحكومة البريطانية مشروع «الطاقة النظيفة 2030» على أنه استجابة اقتصادية قبل أن يكون التزاماً مناخياً فقط. فالخطة تقول إن المقصود بأمن الطاقة هو تلبية الطلب مع حماية الأسر والشركات من صدمات الإمداد العالمية والأسعار المتقلبة، كما تربط بين التوسع في الكهرباء منخفضة الكربون وبين خفض التعرض لأسواق الغاز المتقلبة. ومع ذلك لا تقدم لندن هذا التحول بوصفه قطيعة فورية مع النفط والغاز.

شبكة بريطانية متعددة الطبقات

ما يساعد داوننغ ستريت على تهدئة الخطاب الداخلي هو أن بريطانيا تمتلك بنية إمداد متنوعة نسبياً. فوفق تقرير أمن الإمداد القانوني لعام 2025، تملك بريطانيا العظمى قدرة استيراد غاز تقارب 368 مليون متر مكعب يومياً، موزعة بين خطوط النرويج، والربط مع بلجيكا وهولندا، ومحطات الغاز المسال.

كما يذكر التقرير أن لدى البلاد ثمانية مرافق لتخزين الغاز، وأن التخزين لبى 8% من الطلب الشتوي في 2024 و2025. هذه الأرقام لا تعني غياب الخطر، لكنها تفسر لماذا تكرر الحكومة أن التحدي الأكبر أمام أمن الطاقة ليس نقص الجزيئات فوراً، بل هشاشة الأسعار أمام الصدمات الجيوسياسية.

ملف يومي لا عابر

عندما يتكرر ذكر مضيق هرمز في خطابات داوننغ ستريت، فالمقصود ترجمة حدث بعيد إلى لغة السياسة اليومية داخل بريطانيا. الملف يمس الدبلوماسية، لأنه يتعلق بحماية ممر بحري حاسم، ويمس الاقتصاد، لأن أي قفزة في الأسعار تنعكس سريعاً على المزاج العام. لهذا صار «أمن الطاقة» عنواناً يومياً، لأنه النقطة التي تلتقي عندها الجغرافيا بالأسعار، وتختبر عندها الحكومة قدرتها على إقناع الجمهور بأن أمن الطاقة ليس شعاراً فنياً، بل جزء مباشر من الاستقرار المعيشي والسيادي.

اقرأ أيضاً: الحرب الإيرانية الأمريكية تطرق أبواب محفظتك: كيف تؤثر على الأسعار؟
















X