تبدو أوروبا اليوم كمن يعيد ترتيب بيتٍ قديم وسط عاصفة جديدة. الحرب في أوكرانيا جعلت الأمن أولوية يومية لا بنداً في خطابات القادة، والطاقة خرجت من خانة الاقتصاد إلى قلب السياسة، والحدود تحولت إلى مرآة لقلق الناس من الهجرة والجريمة المنظمة.
ضمن هذا المشهد جاءت معاهدة الصداقة البريطانية الألمانية لتفتح قناة عمل أكثر ثباتاً بين لندن وبرلين بعد تعقيدات “بريكست”. المعاهدة وُقّعت في لندن في 17 يوليو 2025، وقدمت للبرلمان البريطاني في 7 يناير 2026، مع تنبيه رسمي بأنها لم تدخل حيز النفاذ بعد، ما يجعل عام 2026 عام الانتقال من النص إلى التنفيذ.
مغزى معاهدة الصداقة البريطانية الألمانية
جوهر معاهدة الصداقة البريطانية الألمانية أنها إطار شامل لا “صفقة واحدة”. النص يربط الأمن بالازدهار وبالتحول الأخضر، ويصف الحرب الروسية على أوكرانيا بأنها التهديد الأكثر مباشرة لأمن الطرفين، ويضع التهديدات الهجينة في قلب الصورة، من التخريب والهجمات السيبرانية إلى التلاعب بالمعلومات وسوء استخدام تقنيات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، تُبقي المعاهدة قدميها على الأرض قانونياً: ألمانيا تؤكد التزاماتها داخل الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا تؤكد أن التعاون الثنائي يجب أن ينسجم مع الإطار الأوسع للعلاقة بين لندن وبروكسل، لا أن يلتف عليه.
أمن أوروبا وميزان الردع
ما تريده لندن من برلين هنا واضح: شراكة أمنية تضيف قوة فعلية لأمن أوروبا. المعاهدة تنص على مشاورات منتظمة في السياسة الخارجية والأمنية، وتبادل أعمق في الردع والدفاع والفضاء ومكافحة الإرهاب ومنع الانتشار، مع رفع مستوى التعاون الاستخباراتي. أكثر الجمل حساسية هي تعهد الطرفين بمساعدة بعضهما “بما في ذلك بوسائل عسكرية” إذا تعرض أحدهما لهجوم مسلح، مع تثبيت الناتو كقاعدة للدفاع الجماعي.
ولأن التعهدات الكبيرة تموت عادةً في التفاصيل، تأتي خطة “17 مشروعاً” المصاحبة لتقترح مسارات تطبيقية تمتد من قدرات ضربة دقيقة بعيدة المدى، إلى تعاون لمواجهة تهديدات ما تحت البحر، وصولاً إلى تعزيز التعاون الصناعي والدفع باتجاه حملات تصدير دفاعية مشتركة.
الهجرة والحدود والعدالة
في ملف الهجرة، لا تبيع معاهدة الصداقة البريطانية الألمانية أوهاماً، بل تركز على ما يمكن قياسه: تضييق الخناق على شبكات تهريب البشر والاتجار بالبشر. النص يربط الهجرة غير النظامية بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، ويؤكد التعاون مع الإنتربول والاستفادة من أطر مثل يوروبول ويوروجست، ويضع حواراً سنوياً حول الشؤون الداخلية وأمن الحدود.
وعلى خط التنفيذ، تظهر رغبة لندن في نتائج مباشرة: تعاون أقوى ضد التهريب، وتكثيف الجهود المرتبطة بـ“العودة”، مع خطوة ألمانية معلنة لتوضيح تشريعي يخص تسهيل الهجرة غير النظامية إلى المملكة المتحدة ضمن إطار زمني قريب.
الطاقة والاقتصاد والتنقل
اقتصادياً، تراهن لندن على برلين بوصفها شريكاً يمكنه دفع الاستثمار وبناء سلاسل قيمة، خصوصاً في الصناعات الخضراء، مع تركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة وإصلاح نظام التجارة العالمي. ثم ينتقل النص إلى بحر الشمال باعتباره مساحة مشتركة لأمن الطاقة: تسريع بنى تحتية للرياح البحرية والكهرباء والهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، والسعي لربط بحري “هجين” في منتصف ثلاثينيات هذا القرن.
وفي التقنية، تتبنى المعاهدة فكرة “الحوكمة المسؤولة” للابتكار، عبر تعاون منظم في العلوم والابتكار والذكاء الاصطناعي ورقمنة الدولة. أما في حياة الناس اليومية، فتظهر مشاريع عملية مثل توسيع بوابات العبور الإلكترونية، وتسهيل سفر المجموعات المدرسية دون تأشيرة وفق ترتيبات مرحلية، والعمل على إزالة العوائق أمام رابط سككي مباشر خلال السنوات القادمة.
خلاصة القول: لندن لا تبحث عن “صداقة” بمعناها العاطفي؛ هي تريد من برلين شريكاً أوروبياً ثقيلاً يقدّم عائداً ملموساً في الردع والحدود والطاقة والتقنية والتنقل. معيار النجاح في 2026 سيكون بسيطاً وقاسياً: هل تحولت معاهدة الصداقة البريطانية الألمانية إلى خطة تنفيذ تُجدَّد عبر مشاورات حكومية كل عامين وتنتج نتائج يراها الناس، أم بقيت عنواناً أنيقاً فوق ورق رسمي؟
اقرأ أيضاً: بريطانيا تحظر استيراد المواشي من ألمانيا, والسبب؟