تُعَدّ السرقة واحدة من أبرز القضايا التي تشغل الحكومة البريطانية ومجتمعاتها في الفترة الأخيرة، خاصة مع تزايد معدلاتها وتنوع أشكالها بين سرقات فردية وأخرى تستهدف المتاجر الكبرى، وقد ساهم انتشار مقاطع فيديو لسرقات علنية على منصات التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على هذه الظاهرة، مثل الفيديو الذي أظهر قيام أحد الأشخاص بسرقة حقيبة أحد الصحفيين التي تحتوي على معدات صحفية على الهواء مباشرة، إلى جانب مشاهد أخرى من مدن مختلفة توضح اتساع نطاق هذه الجرائم، لذلك يحاول هذا المقال التطرق إلى واقع معدلات السرقة في بريطانيا، وأهم الخطوات التي تتخذها الحكومة لمواجهتها.
سرقة المتاجر الكبرى
بحسب الإحصائيات الرسمية وصلت مستويات السرقة للمتاجر في إنجلترا وويلز إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 20 عاماً، وسط تحذيرات من خروج الأمر عن السيطرة، بينما سجل مكتب الإحصاءات الوطنية أكثر من 530 ألف جريمة سرقة من المتاجر خلال عام واحد حتى مارس الماضي، بزيادة قدرها 20% عن العام السابق، ويقول المكتب إن الارتفاع الحاد في هذه الجرائم بدأ منذ فترة الجائحة.
في حين حذرت مجموعات التجزئة من أن عصابات منظمة تستهدف المتاجر بشكل متكرر، أحياناً أكثر من متجر في نفس اليوم، وتعقيباً على الموضوع قال توم أيرونسايد Tom Ironside من جمعية تجار التجزئة البريطانية أن هذه السرقات “ليست بلا ضحايا”، مشيراً إلى أنها تتسبب في عنف ضد الموظفين وتكلف القطاع والعملاء نحو 2.2 مليار جنيه إسترليني سنوياً.
كما أظهرت بيانات من جمعية متاجر التجزئة أن المتاجر سجلت أكثر من 6.2 مليون حادثة سرقة في العام الماضي، بينما كثير من المتاجر لا تبلغ الشرطة لأنها لا تثق في التحقيقات.
وشدد رئيس الجمعية جيمس لومان James Loman على ضرورة أن تُؤخذ هذه السرقات على محمل الجد عبر نظام العدالة بأكمله، وإلا سيواصل المجرمون نشاطهم وهم مطمئنون أنهم لن يُقبض عليهم.
الحكومة من جانبها أعلنت مشروع قانون جديد لمكافحة “وباء سرقة الشوارع”، يتضمن إزالة حد الـ200 جنيه الذي يجعل السرقات الصغيرة أقل أولوية للشرطة، كما قالت وزيرة الداخلية إيفيت كوبر Yvette Cooper إن الخطة تشمل دوريات إضافية في أكثر من 500 مركز مدينة، مع 3000 شرطي وضابط دعم جديد بحلول الربيع المقبل.
لندن تسجل أعلى مستوى لجرائم السرقة
سجلت لندن بفارق بسيط أعلى معدل إجمالي للجريمة بين مدن المملكة المتحدة، وذلك بالنسبة لعدد السكان (لكل ألف شخص)، وكان السبب الرئيسي وراء هذه النتيجة هو الارتفاع الكبير في الجرائم المرتبطة بالسرقة بمختلف أنواعها، فخلال العام المنتهي في سبتمبر 2023، ارتفع معدل السرقات بنسبة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، والأكثر لفتاً للانتباه أن سرقات الأشخاص زادت بنسبة 43%، بينما قفزت سرقات المتاجر بنسبة 50%.
خلال تلك الفترة، جرى تسجيل أكثر من 80 ألف حالة سرقة من المتاجر، إلى جانب 97,357 حالة سرقة من الأفراد، أما فيما يخص مناطق العاصمة الإكثر عرضة للسرقة فإن منطقة وستمنستر Westminster، وبالتحديد “ويست إند West End” الشهيرة، أكثر عرضة لهذه الجرائم، وذلك بسبب موقعها في وسط العاصمة، ويوجد فيه الكثير من مراكز التسوق والثقافة والضيافة في المملكة المتحدة، كما أنها مشهورة بمتاجرها الكثيرة وزوارها المتدفقين وأجوائها المزدحمة، مما يهيئ بيئة مثالية لعمليات السرقة سواء كانت بسيطة أو كبيرة، خصوصاً مع انشغال كثير من الناس وعدم انتباههم لأمنهم الشخصي.
المتقاعدون في مقدمة السارقين
مع ارتفاع معدلات المعيشة وغلاء الأسعار بدأت تظهر أنواع مختلفة من السارقين، فتقول شركة أمن لمتاجر كبرى إن عدد المتقاعدين الذين يسرقون الطعام من المتاجر ارتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، بسبب أزمة غلاء المعيشة.
بينما أوضح جون نوسباوم John Nussbaum، مدير التجزئة في مجموعة “كينغدوم سيرفيسز”، أن موظفيه يلاحظون “نوعاً جديداً من السارقين”، أشخاص لم يسبق لهم القيام بذلك من قبل لكنهم مدفوعون باليأس، وأضاف أن شركته تتلقى بين 20 و30 بلاغ سرقة أسبوعياً من مختلف أنحاء المملكة المتحدة، كثير منها يتعلق بأشخاص “لا يملكون ثمن الطعام”، كما أشار إلى أن نحو 5% من السارقين المضبوطين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً.
وصف نوسباوم مشاهد غريبة وبعيدة عن المعتاد مثل رؤية متقاعدون يخفون برطمان قهوة في الحقيبة، أو أمهات يسرقن الطعام وهن مع أطفالهن، وقال: “لم أر شيئاً كهذا طوال 30 عاماً من عملي في الأمن، ما نشهده اليوم سببه الغلاء واليأس”.
كما أوضح أن المتاجر عادةً لا تستدعي الشرطة عندما يكون السارق متقاعداً، نتيجة لعدم تصدير صورة سلبية عن المجتمع البريطاني في الإعلام.
وفي نفس السياق حمّل بعض تجار التجزئة مسؤولية هذه السرقات للقوانين الحكومية مثل القانون الصادر عام 2014 والذي ينص على أن السرقات تحت 200 جنيه لا تؤدي عادة إلى السجن، إضافة إلى تقليل عدد الموظفين والاعتماد المتزايد على الدفع الذاتي.
وبالرغم من استثمار الملايين في أنظمة أمنية جديدة مثل كاميرات الذكاء الاصطناعي وتقنية التعرف على الوجه، إلا أن العنف المرتبط بالسرقات المنظمة يزداد، حيث قال نوسباوم إن موظفيه يتعرضون يومياً لاعتداءات، وأحياناً يعثرون على أسلحة مع السارقين، وأكد دعمه لاستخدام تقنية التعرف على الوجه التي بدأت سلسلة “أسدا” بتجربتها في بعض المتاجر الكبرى بمانشستر، لمواجهة هذه الجرائم.
باختصار، معدلات جرائم السرقة في بريطانيا يتخذ المنحى التصاعدي، وعلى الحكومة البريطانية معالجته بشكل سريع قبل أن يتفاقم، وفي المقابل عليها أن تعالج أسباب الكثير من حالات السرقة والتي أغلبها ناتج عن غلاء المعيشة، وتوفير ظروف معيشية مناسبة للسكان.
اقرأ أيضاً: المتاجر البريطانية تلجأ إلى تقنية التعرف على الوجه للحد من عمليات السرقة