لافتة تُرفع في أحد المتاجر الكبرى تقول: «نحاول أن نبقي الأسعار عادلة». خلف العبارة المطمئنة يدور صراع هادئ على مستقبل فاتورة البقالة في بيوت البريطانيين. كبار تجار التجزئة يقرأون الأرقام ويشمّون رائحة سياسة مالية أكثر صرامة، والحكومة الجديدة تحشد مواردها لسد فجوات في المالية العامة.
وبينهما مستهلك أنهكته سنوات من التضخم، يتساءل إن كان السهم سيعود إلى الصعود. عند هذه العقدة تحديداً، تتقاطع السياسة والاقتصاد والمشاعر اليومية في قصة عنوانها العريض: زيادة الضرائب وأسعار الغذاء.
زيادة الضرائب وأسعار الغذاء: رسالة موحّدة من كبار المتاجر
في رسالة نادرة التناغم، وقّع مديرون تنفيذيون من «تيسكو» و«سينزبريز» و«أزدا» و«موريسونز» و«ألدي» و«ليدل» و«وايتروز» و«ماركس آند سبنسر» و«أيسلاند» على تحذير موجّه إلى وزيرة الخزانة رايتشل ريفز: أي زيادات ضريبية تستهدف القطاع ستنعكس «حتماً» على سلة مشتريات الأسر.
جاءت الرسالة قبيل إعلان الميزانية المنتظر في 26 نوفمبر، مشيرة إلى أن إدراج المتاجر الكبرى ضمن «إضافة ضريبية» على ضريبة الأعمال (Business Rates) سيجعل «تقديم القيمة للعملاء أكثر صعوبة». هذا الخطاب، المنسّق من اتحاد التجزئة البريطاني، يعكس إدراكاً بأن هوامش امتصاص الكلفة تتآكل بعد موجات متعاقبة من الرسوم والالتزامات الجديدة.
تتمحور نقطة الخلاف حول ضريبة عقارية محلية مُعدّلة تُفرض بحسب «القيمة الإيجارية» للعقار التجاري؛ فاقتراح الحكومة يتحدث عن «إضافة» على المواقع كبيرة القيمة (أعلى من 500 ألف جنيه استرليني)، وهي بالضبط فئة المتاجر والمخازن التي تحمل أثقل فواتير المساحات.
هنا يقول تجار التجزئة إنهم يشغّلون نسبة صغيرة من المواقع، لكنهم يسددون ثلث فاتورة ضريبة الأعمال للقطاع ككل، ما يعني أن أي زيادة إضافية ستنزلق سريعاً إلى الملصق السعري على الرف.
حجج الحكومة… وميزان التضخم
من جانبها، تؤكد الخزانة أن «مكافحة تضخم الغذاء أولوية»، وتُذكّر بإجراءات لتخفيف الأعباء عن المحال الصغيرة (الجزارون والخبازون ومتاجر الشارع الرئيسي)، بينما ترى أن ميكانيكية النظام قد تخفّض فاتورة بعض العقارات حتى لو ارتفعت قيمتها؛ أي أن الصورة ليست «زيادة صافية» على الجميع.
لكن تجار التجزئة يردّون بأن مجموع التكاليف منذ الميزانية السابقة، ومن بينها ارتفاع التأمينات الوطنية ورفع «الأجر المعيشي»، يجعل قدرة الشركات على امتصاص المزيد محدودة. وفي خلفية المشهد أرقام رسمية تشير إلى ثبات التضخم الكلي عند 3.8%، وتباطؤ تضخم الغذاء إلى 4.5%، لكنه ما زال أعلى من السنوات الهادئة السابقة؛ أي أن أي صدمة ضريبية خاطفة قد تعيد إشعال الجمرة تحت القدر.
أثر السلسلة: من المولّد إلى المائدة
من الناحية العملية، تتحرك الأسعار في سلسلة توريد مترابطة: ضريبة أعلى على مواقع البيع الكبرى تعني كلفة ثابتة أعلى على كل وحدة مُباعة. ومع استمرار الضغط في حلقات الأجور، والطاقة، وتكاليف الامتثال البيئي والتعبئة، يصبح المجال للمناورة أضيق.
لهذا تطلب السلاسل إعفاءً مستهدفاً أو استثناءً من «الإضافة الضريبية» المقترحة، بوصفه «إشارة دعم» تضبط توقعات السوق وتُجنّب المستهلكين موجة جديدة من الارتفاعات. وفي المقابل، ترى وزارة الخزانة أن ضبط الأسعار يمر أيضاً عبر قواعد مالية تضمن استقرار الاقتصاد، حتى لو تطلب الأمر توسيع القاعدة الضريبية في أعلى السلم العقاري.
ميزانية تحت ضغط التوقعات
تذهب التوقعات إلى أن وزيرة الخزانة تحتاج موارد إضافية لردم فجوة في المالية العامة، ما يعزّز احتمالات تدابير ضريبية انتقائية. الرسالة الجماعية من تجار التجزئة جاءت، إذن، كمحاولة لإعادة صياغة النقاش: «استهدفوا حيث يكون الأثر أقل على عربات التسوق».
وهنا تتسع القصة لتصبح سياسة عامة: هل يُفترض بالقطاع الذي يبيع الضروريات أن يتحمّل ضريبة إضافية على مساحاته الكبيرة، أم أن العدالة الضريبية تعني أن يدفع أكثر من استفاد طويلاً من اقتصاد الحجم؟ الإجابة ليست تقنية فحسب، بل سياسية واجتماعية أيضاً، لأن زيادة الضرائب وأسعار الغذاء ليست معادلة محاسبية؛ إنها سؤال عمن يدفع تكاليف الاستقرار.
ما الذي يعنيه ذلك للمستهلك؟
الخبر الجيد أن تضخم الغذاء تباطأ، لكنّه لم يطفئ حرارته تماماً. وإذا مضت «الإضافة الضريبية» على نطاق واسع، فسيكون الأثر ملموساً على المنتجات ذات الهامش الضيق والطلب الواسع، من الحليب والخبز إلى المعلبات والقهوة.
والبديل الأكثر أماناً للمستهلك هو تسوية سياسية تحمي القاعدة الضريبية دون دفع المتاجر إلى ترحيل الكلفة فوراً إلى الرفوف. حتى ذلك الحين، تبقى النصيحة الواقعية هي متابعة الميزانية المقبلة بدقة؛ لأنها ستجيب بصورة حاسمة: هل تبقى «اللافتة» التي تعد باسعار عادلة صادقة، أم تتغير الكتابة على الرف خلال الشتاء؟
اقرأ أيضاً: ضرائب على المنازل… ريفز تفجّر قنبلة من العيار الثقيل!