ينتظر الكثير من البريطانيين الموازنة التي ستعلن عنها راشيل ريفز، وسط أرقام صادرة عن هيئة الإحصاءات الوطنية التي تشير إلى ارتفاع نسبة الاقتراض الحكومي بشكل فاق التوقعات. ويبدو أن حكومة حزب العمال أمام تحديات اقتصادية لا يُعرف كيف ستكون نتائجها.
فقد سجل الاقتراض الحكومي البريطاني 17.4 مليار جنيه إسترليني، وهو أعلى من التوقعات التي كانت تشير إلى 15 مليار جنيه إسترليني. مما يعكس الفرق بين الإنفاق الحكومي والدخل من الضرائب، ويعد مؤشر على زيادة الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة.
وتأتي هذه الأرقام في وقت حساس، حيث لم يتبقى سوى أيام قليلة حتى تعلن وزيرة المالية راشيل ريفز Rachel Reeves عن ميزانيتها المقبلة. وكانت ريفز قد ألمحت في وقت سابق إلى أن الحكومة ستبحث في خيارات تشمل زيادة الضرائب وخفض الإنفاق.
ومع تراجع مبيعات التجزئة خلال شهر أكتوبر بحسب الأرقام التي أظهرتها البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية. أرجع بعض تجار التجزئة أسباب هذا التراجع إلى أن المتسوقين كانوا ينتظرون عروض الجمعة السوداء التي تقام في الشهر نفسه.
بينما وصفت روث جريجوري Ruth Gregory، نائب كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس بأن “صورة الاقتصاد البريطاني قاتمة”، وذلك تعليقاً على المعلومات السابقة الخاصة بالاقتراض الحكومي ومبيعات التجزئة. على الرغم من أن الاقتراض الحكومي في أكتوبر كان أقل بمقدار 1.8 مليار جنيه إسترليني مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي.
وأضافت أن التراجع الشهري في مبيعات التجزئة “ليس سيئاً كما يبدو”، لأنه يأتي بعد أربعة أشهر متتالية من الزيادات. لكن هذه إشارة إلى انخفاض ثقة المستهلك، مما يعني أن الناس ليسوا في أفضل حال اقتصادياً بالوقت الراهن.
من جانبه، أشار جرانت فيتزنر Grant Weitzner، كبير الاقتصاديين في مكتب الإحصاءات الوطنية، إلى أن الإنفاق على الخدمات العامة والمزايا في أكتوبر من العام الماضي شهد زيادة، لكن هذه الزيادة تم تعويضها بشكل كبير من خلال الزيادة في الإيرادات من الضرائب و مساهمات التأمين الوطني.
وحتى أكتوبر من هذه السنة بلغ الاقتراض الحكومي 116.8 مليار جنيه إسترليني، وهو أعلى بمقدار 9 مليارات جنيه إسترليني عن نفس الفترة في 2024. وكان هذا الرقم هو ثاني أعلى مستوى للاقتراض في الفترة من أبريل إلى أكتوبر منذ بداية تسجيل البيانات في 1993، بعد عام 2020 الذي شهد أعلى مستويات الاقتراض بسبب تداعيات جائحة كورونا.
وفي تعليقه على هذه الأرقام، قال جيمس سميث James Smith من بنك الاستثمار أي إن جي ضمن برنامج Today، إن أرقام الاقتراض قد لا تكون موضع ترحيب من قبل وزيرة المالية قبل إعلان ميزانيتها، لكنه أضاف أن قواعدها المالية تتعلق بما سيحدث في المستقبل البعيد، وليس الوضع الحالي. وأشار إلى أن البيانات الحااية على الرغم من ارتفاعها لن تغير من القرارات المتخذة للميزانية القادمة.
وأشار نيك ريدبات Nick Redbat الباحث الاقتصادي في معهد الدراسات المالية، إلى أن الاقتراض الحكومي خلال العام الحالي تجاوز توقعات مكتب مسؤولية الميزانية بنحو 10 مليارات جنيه إسترليني. وأوضح ريدبات رغم أنه لا يجب إعطاء أرقام الاقتراض أهمية كبيرة، فإن هذه الأرقام تبرز التحديات التي تواجه الحكومة في ظل الضغوط على الإنفاق، وانخفاض إيرادات الضرائب، وارتفاع تكاليف خدمة الدين الحكومي. وأكد أن العمل في ظل هامش مالي ضيق يعتبر أمر خطير. وهو ما قد يدفع بالحكومة إلى اتخاذ خطوات عملية لزيادة ما يسمى بالحيز المالي في الميزانية القادمة.
كما أشار إلى حاجة وزيرة المالية إلى إيجاد موارد إضافية في ميزانيتها القادمة، التي ستعلن عنها في 26 نوفمبر، وذلك لتلبية القواعد المالية التي فرضتها على نفسها، والتي أكدت أنها غير قابلة للتفاوض.
القواعد المالية الحكومية والتحديات الاقتصادية المقبلة
تتمثل القواعد المالية الرئيسية للحكومة في عدم الاقتراض لتمويل الإنفاق العام اليومي بحلول نهاية هذا البرلمان، وخفض الدين الحكومي كنسبة من الدخل القومي قبل نهاية نفس الفترة.
وفي هذا السياق، أفادت هيئة الإذاعة البريطانية أن التقييمات الأخيرة من مكتب مسؤولية الميزانية تشير إلى أن وزارة المالية تحتاج إلى 20 مليار جنيه إسترليني لسد الفجوة المالية.
من جانبه أكد جيمس موراي James Murray كبير أمناء الخزانة، أن الحكومة تسعى إلى خفض الاقتراض خلال فترة البرلمان، حيث يتم حالياً إنفاق جنيه واحد من كل 10 جنيهات من أموال دافعي الضرائب على سداد الفائدة على الدين الوطني. وأوضح قائلاً: “يجب أن تذهب هذه الأموال إلى مدارسنا، مستشفياتنا، شرطتنا، وقواتنا المسلحة. لذلك نحن على استعداد لتحقيق أكبر خفض للعجز الأولي في مجموعة السبع و مجموعة العشرين على مدى السنوات الخمس المقبلة بهدف تقليل تكاليف الاقتراض”.
في المقابل، قال السير ميل سترايد Mill Stride وزير المالية في حكومة الظل، إن الاقتراض الحكومي في السنة المالية الحالية هو الأعلى على الإطلاق خارج فترة الوباء. وأضاف: “لو كان لحزب العمال أي شجاعة، لكانوا قد سيطروا على الإنفاق لتجنب زيادة الضرائب في الميزانية المقبلة”.
من جانب آخر أظهرت البيانات الأخيرة أن مبيعات التجزئة انخفضت بنسبة 1.1% خلال شهر أكتوبر، وهو أول انخفاض شهري منذ مايو الماضي. وأوضح جرانت فيتزنر Grant Weitzner كبير الاقتصاديين في مكتب الإحصاءات الوطنية، أن محلات السوبر ماركت و متاجر الملابس و التجار عبر الإنترنت شهدوا تباطؤ في المبيعات، حيث أشار بعض التجار إلى أن المستهلكين ينتظرون عروض “الجمعة السوداء” في نوفمبر.
باختصار، تواجه الحكومة البريطانية تحديات اقتصادية كبيرة مع الفجوة الواضحة بين الإنفاق والدخل التي أشرنا إليها سابقاً. لذلك تقع على عاتق وزيرة المالية راشيل ريفز مهمة اتخاذ قرارات دقيقة لسد هذه الفجوة. لكن يبقى التساؤل الأكبر هل سيكون الحل من خلال رفع الضرائب، أم ستلجأ الحكومة إلى خيارات أخرى لتحقيق التوازن المالي؟
اقرأ أيضاً: البطالة ترتفع إلى 5% في بريطانيا بسبب ضرائب ريفز