لم يكن فيلم “الأوديسة The Odyssey” مجرد عمل سينمائي جديد للمخرج البريطاني كريستوفر نولان Christopher Nolan، بل تحول منذ الإعلان عنه إلى واحد من أكثر الأفلام المنتظرة هذا العام، مستفيداً من شعبية المخرج الذي اعتاد تقديم أعمال ضخمة مثل Oppenheimer وInterstellar وInception. الفيلم يستند إلى ملحمة “الأوديسة” للشاعر الإغريقي هوميروس Homer، التي تروي رحلة الملك أوديسيوس Odysseus الطويلة للعودة إلى وطنه بعد انتهاء حرب طروادة، في رحلة تمتلئ بالآلهة والوحوش والمغامرات والصراعات النفسية. لكن، ورغم النجاح الجماهيري والإقبال الكبير على دور العرض، انقسم النقاد حول الفيلم، بين من اعتبره إنجازاً بصرياً ضخماً، ومن رأى أنه أخفق في نقل العمق الإنساني والفلسفي الذي جعل الملحمة الأصلية واحدة من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ.
لماذا حصد فيلم الأوديسة كل هذه الضجة؟
ساهمت عدة عوامل في تحويل الفيلم إلى حديث الجمهور والنقاد حول العالم. أولها اسم كريستوفر نولان Christopher Nolan، الذي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، وينظر إلى كل مشروع جديد له باعتباره حدثاً سينمائياً بحد ذاته. كما أن الميزانية الضخمة، التي تجاوزت 250 مليون دولار، واستخدام أحدث تقنيات التصوير، إضافة إلى مشاركة نخبة من نجوم هوليوود مثل مات ديمون Matt Damon وتوم هولاند Tom Holland وآن هاثاواي Anne Hathaway وزندايا Zendaya وتشارليز ثيرون Charlize Theron، رفعت سقف التوقعات قبل عرض الفيلم.
ويضاف إلى ذلك أن “الأوديسة” تعد من أكثر النصوص الأدبية تأثيراً في الحضارة الغربية، ما جعل أي محاولة لتحويلها إلى فيلم سينمائي عرضة للمقارنة الدقيقة مع النص الأصلي.
باحثة متخصصة.. الصورة أبهرت.. لكن الشخصيات فقدت روحها
قدمت الباحثة والأكاديمية المتخصصة في الأدب الكلاسيكي إيميلي ويلسون Emily Wilson قراءة نقدية للفيلم، رأت فيها أن العمل نجح في تقديم مشاهد بصرية مبهرة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء شخصيات تمتلك عمقاً إنسانياً. وبحسب ويلسون، فإن الفيلم ركز بصورة كبيرة على المعارك والانفجارات والمؤثرات البصرية، بينما بدت الشخصيات الرئيسية أقل تعقيدًا مما هي عليه في ملحمة هوميروس، وهو ما أفقد القصة جزءاً من بعدها النفسي والأخلاقي.
ومن أبرز النقاط التي أثارتها ويلسون أن الشخصيات النسائية في الفيلم جاءت أقل حضوراً وتأثيراً مقارنة بالنص الأصلي. فشخصيات مثل بينيلوبي Penelope وكاليبسو Calypso وأثينا Athena، التي تمتلك في الملحمة الأصلية حوارات وأبعاداً فكرية ونفسية واضحة، ظهرت في الفيلم بأدوار محدودة، ركزت في معظمها على دعم البطل أو انتظار عودته، دون منحها مساحة كافية للتطور الدرامي.
بين الملحمة الأدبية وفيلم الحركة
وترى الباحثة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في اختلاف الفيلم عن الرواية الأصلية، فالأعمال السينمائية ليست مطالبة بنقل النصوص حرفياً، وإنما في أن الفيلم، برأيها، استبدل الأسئلة الفلسفية والإنسانية التي يطرحها هوميروس بإيقاع سريع ومشاهد حركة متواصلة. وبينما يناقش النص الأصلي قضايا الهوية والسلطة والذاكرة والعودة إلى الوطن ومعنى البطولة، ركز الفيلم بدرجة أكبر على المطاردات والمعارك والمؤثرات، وهو ما جعله أقرب إلى فيلم مغامرات ضخم منه إلى معالجة سينمائية لواحدة من أهم الملاحم الأدبية.
ولم يتوقف الجدل عند الجانب الإبداعي، إذ تعرض الفيلم أيضاً لانتقادات بسبب تصوير جزء من مشاهده في الصحراء الغربية، وهو ما اعتبره بعض المنتقدين تجاهلاً لحساسية الوضع السياسي في المنطقة. كما أثارت بعض خيارات اختيار الممثلين وطريقة إعادة تفسير الشخصيات التاريخية نقاشات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم الانتقادات… نجاح لا يمكن تجاهله
ورغم الانقسام النقدي، تؤكد ويلسون أن للفيلم جانباً إيجابياً مهماً، يتمثل في إعادة الاهتمام بملحمة هوميروس، إذ ساهم في دفع آلاف المشاهدين للبحث عن النص الأصلي وقراءته، كما أعاد النقاش حول الأدب الكلاسيكي إلى الواجهة، وشجع جيلاً جديداً على التعرف إلى واحدة من أهم الملاحم الإنسانية.
وهكذا، يبدو أن “الأوديسة” حققت ما لم تحققه كثير من الأفلام الحديثة؛ إذ لم تكتف بإثارة الإعجاب أو الانتقاد، بل أعادت فتح نقاش واسع حول العلاقة بين الأدب والسينما، وحدود حرية المخرج في إعادة تقديم النصوص الكلاسيكية، لتؤكد أن بعض القصص، مهما مر عليها الزمن، ما تزال قادرة على إشعال الجدل في كل عصر.