تخيل أن تستيقظ صباحاً لتقرأ إعلاناً رسمياً يحرمك من الموت! قد تضحك في البداية لكن هذا ما حصل فعلاً في أكثر من قرية ومدينة حول العالم. وبالرغم من أنه لا يوجد قانون في العالم يوقف الموت، لكن وراء هذه القوانين قصص مختلفة سنرويها لكم في هذا المقال.
عندما أصبح الموت مخالفاً للقانون
في عام 2012، تصدرت بلدة فالشيانو ديل ماسيكو Falciano del Massico، الواقعة على بعد نحو 50 كيلومتراً من مدينة نابولي Naples في جنوب إيطاليا، عناوين الأخبار في مختلف أنحاء العالم بسبب قرار غير مألوف. فقد أصدر رئيس البلدية جوليو سيزار فافا Julio Cesar Fava مرسوماً يطلب فيه من سكان البلدة، الذين يبلغ عددهم نحو 3700 نسمة، أن “يبذلوا كل جهد ممكن لعدم الموت” حتى تتمكن البلدية من إنشاء مقبرة جديدة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل جاء في نص القرار عبارة لافتة تقول إنه “يُحظر، اعتباراً من الآن، على جميع المواطنين المقيمين في بلدية فالشيانو ديل ماسيكو، وكل من يوجد داخل حدودها، مغادرة الحياة الدنيا والانتقال إلى الحياة الآخرة”.
ورغم أن القرار ظهر وكأنه ساخراً، إلا أن المشكلة كانت حقيقية تماماً. فقد كانت مقبرة البلدة قد امتلأت بالكامل، ولم يعد هناك مكان لدفن المتوفين. ولذلك كانت العائلات تضطر إلى نقل موتاها إلى بلدة موندراغوني Mondragone المجاورة، وشراء أماكن للدفن هناك مقابل مبالغ مرتفعة، وهو ما شكل عبئاً كبيراً على السكان.
ولأن إنشاء مقبرة جديدة كان غير متوفر بسبب الإجراءات الإدارية، لجأت البلدية إلى هذا القرار الغريب حتى تلفت انتباه الجميع إلى أزمتها. لكن فالشيانو ديل ماسيكو لم تكن الوحيدة التي فعلت ذلك، فقد سبقتها وتبعتها مدن أخرى لأسباب مختلفة.
مدن حظرت الموت… لكن لكل مدينة قصتها
يبدو أن إيطاليا استحوذت على مثل هذا القرار، ففي الجنوب الإيطالي أيضاً تقع بلدة صغيرة اسمها سيليا Celle di Bulgheria، وهي بلدة جبلية يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، ولا يزيد عدد سكانها اليوم على 537 نسمة.
قبل نحو ستين عاماً كان عدد السكان أكبر بثلاث مرات تقريباً، لكن مع مرور السنوات هاجر كثير من الشباب، وأصبحت الغالبية من كبار السن الذين تجاوزت أعمارهم 65 عاما. وبسبب ذلك قرر رئيس البلدية وطبيب الأطفال دافيد زيكينيلا David Zickenella، إصدار مرسوم ينص على “حظر المرض” و”حظر الموت” داخل البلدة.
لكن هدفه لم يكن منع الموت فعلاً، بل تشجيع السكان على الاهتمام بصحتهم. فقد دعا الجميع إلى إجراء الفحوصات الطبية الدورية، وقرر فرض غرامة رمزية قدرها 10 يوروهات سنوياً على الأشخاص الذين يهملون صحتهم ويرفضون إجراء الفحوصات.
وأوضح رئيس البلدية لوسائل إعلام فيما بعد أنه يعلم تماماً أن القانون لا يستطيع منع الموت، لكنه يستطيع أن يشجع الناس على الوقاية من الأمراض، خاصة في بلدة يعاني معظم سكانها من التقدم في العمر.
ولم تقتصر الفكرة على إيطاليا، فقد شهدت مدن أخرى قرارات مشابهة. ففي لانخارون Lanjarón في إسبانيا، وبيريتيبا ميريم Biritiba Mirim في البرازيل، وكوجنو Cugnaux وساربورينكس Sarpourenx في فرنسا، تم إعلان قوانين تمنع الموت، لكن السبب كان متشابهاً في معظم الأحيان، وهو امتلاء المقابر أو عدم وجود أماكن جديدة للدفن.
ومن أشهر هذه القصص ما حدث في بلدة كوجنو الفرنسية القريبة من مدينة تولوز Toulouse. فقد كان رئيس البلدية فيليب غيران Philip Guérin يحاول منذ سنوات الحصول على موافقة لبناء مقبرة جديدة، لكن الجهات المسؤولة كانت ترفض المشروع في كل مرة.
وكان الأمر يثير استغرابه، لأن الأرض نفسها حصلت على موافقة لإقامة مركز تجاري، بينما لم تحصل على موافقة لبناء مقبرة يحتاجها السكان.
وبعد أن فقد الأمل في الطرق التقليدية، أعلن عن قانون يمنع الموت داخل البلدة. وبالرغم من أنه كان يعلم أن القرار غير قابل للتطبيق، لكنه أراد أن يصنع ضجة إعلامية. وبالفعل نجحت الفكرة بشكل كبير، إذ سارعت وسائل الإعلام في فرنسا وسويسرا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا إلى تغطية الخبر، ووصل الاهتمام حتى إلى التلفزيون الياباني.
وبعد أشهر قليلة فقط بدأت السلطات تتحرك، ووصلت الموافقات المطلوبة لإنشاء المقبرة، وهو الهدف الحقيقي الذي كان يسعى إليه منذ البداية.
عندما كان منع الموت جزءاً من المعتقدات والتقاليد
ورغم أن هذه القوانين تبدو حديثة، إلا أن فكرة منع الموت ليست جديدة. ففي القرن الخامس قبل الميلاد كانت جزيرة ديلوس Delos اليونانية تعد مكاناً مقدساً، ولذلك كان من الممنوع أن يولد أو يموت فيها أحد.
وكان الأشخاص الذين تقترب ولادتهم أو وفاتهم يُنقلون إلى جزيرة رينيا Rhenia القريبة، كما أزيلت جميع القبور من الجزيرة حتى تبقى مكاناً مقدساً وفق معتقدات ذلك العصر.
كما كان في جزيرة إيتسوكوشيما Itsukushima في اليابان تقليد مشابه، إذ كان الموت والولادة ممنوعين فيها حتى عام 1868 لأنها تعد من أقدس الأماكن في الديانة الشنتوية، وحتى اليوم لا توجد فيها مستشفيات أو مقابر.
أما واحدة من أغرب القصص فتأتي من بلدة لونغييربين Longyearbyen الواقعة في أرخبيل سفالبارد Svalbard شمال النرويج. فهناك لا يسمحون بدفن الموتى منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن السبب ليس دينياً ولا إدارياً، بل علمياً، فالطقس شديد البرودة يجعل الجثث لا تتحلل حتى بعد مرور عشرات السنين، وقد اكتشف العلماء فيما بعد أن بعض الجثث المدفونة احتفظت بفيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي تسبب في الجائحة الشهيرة عام 1918.
ولذلك عندما يقترب أحد سكان البلدة من نهاية حياته، يُنقل بالطائرة إلى البر الرئيسي للنرويج حتى يتلقى الرعاية اللازمة ويُدفن هناك في حال وفاته.
لماذا تلجأ المدن إلى هذه القوانين الغريبة؟
عندما ننظر إلى هذه القصص لأول مرة، قد تبدو مضحكة أو غير منطقية، لكن الحقيقة أن معظم هذه القوانين لم يكن هدفها منع الموت، لأن الجميع يعلم أن ذلك مستحيل. إلا أن الهدف الحقيقي كان لفت الانتباه إلى مشكلة كبيرة لم يوجد لها حلول لسنوات.
فبعض المدن كانت تحتاج إلى مقبرة جديدة، وأخرى كانت تحاول حماية سكانها من الأمراض وتشجيعهم على إجراء الفحوصات الطبية، بينما استخدمت بعض البلديات هذه الفكرة الغريبة للضغط على الحكومات حتى تتحرك لحل مشكلاتها.
والملفت للانتباه أن هذه الحيلة نجحت في أكثر من مرة. ففي بلدة سيليا، سجل نحو مئة شخص لإجراء الفحوصات الطبية بعد الضجة الإعلامية التي أثارها القرار، وهو ما يعني أن الحملة ربما ساعدت في اكتشاف بعض الأمراض مبكراً وإنقاذ حياة بعض السكان.
وكذلك في كوجنو، استطاع القرار أن يلفت أنظار وسائل الإعلام العالمية إلى مشكلة المقبرة، بعدما تجاهلتها الجهات المسؤولة لفترة طويلة.
باختصار، الغرابة تلفت الانتباه إلى قصص جوهرية أكثر من الطرق التقليدية، والمسؤولون في البلدات التي تحدثنا عنها أدركوا هذه الحقيقة واستخدموها لإيصال أصواتهم. وهذا المبدأ معروف في التأثير وإحداث الصيحات الإعلامية. فعلى الرغم من معرفة عدم إمكانية منع الموت، لكن إصدار قانون بذلك كان كفيلاً للفت الانتباه.
اقرأ أيضاً: ألقاب مدينة لندن الغريبة وقصصها الخفية