مشاهير
من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة
نشر
منذ 4 أسابيعفي
632 مشاهدة
By
Halla Yosef
“العدل والمساواة” عنوان كل حديث يصدر عن دول الغرب، وبالرغم من كونه صحيحاً نوعاً ما، إلا أن حوادث معينة تطفو على السطح لتكشف لنا ما تخبئه بعض النفوس. فالعنصرية التي كانت تمارس على السود تظهر في مشكلة هنا، وحادثة هناك، لتقول لنا إنها ما زالت موجودة. ولعل من أبرز هذه الحوادث قصة الأكاديمي البريطاني جيسون أرداي Jason Arday. فالرجل الأسود الذي استطاع الوصول لأعرق جامعات العالم بسن صغير، وجد نفسه بعد سنوات قليلة في مهب التشكيك بأبحاثه وسيرته المهنية، لتنتهي حياته وتبقى قصته محور جدل واسع، ولتضع زعماء وأصحاب مناصب أكاديمية في موقف تبرئة أنفسهم من اتهامات العنصرية.
فبعد العثور على أرداي، 41 عاماً، ميتاً عقب استقالته من جامعة كامبريدج، بعد أسابيع من التدقيق والاتهامات التي أثرت فيه وفي عائلته، بدأ الجمهور يطرح أسئلة حول ما حدث، ولماذا تحولت مسيرته الأكاديمية الناجحة إلى قضية أثارت كل هذا الجدل؟
جيسون أرداي.. قصة نجاح بدأت من طفولة مختلفة
إذا أردنا فهم القصة لا بد لنا من العودة إلى طفولة أرداي المميزة. فقد صرح أرداي في وقت سابق بأنه كان مصاباً بالتوحد، وقال إنه لم يتكلم حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتعلم القراءة والكتابة حتى سن الثامنة عشرة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، تمكن من الوصول إلى الجامعة، ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ليفربول جون مورس Liverpool John Moores University عام 2015، قبل أن يعمل في جامعات أخرى، من بينها جامعة غلاسكو.
وفي عام 2023، جاءت اللحظة التي جعلت اسمه معروفاً بشكل كبير، عندما تم تعيينه أستاذاً لعلم اجتماع التربية في جامعة كامبريدج، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ليصبح أصغر أستاذ أسود في تاريخ الجامعة.
لم يكن التعيين بالصدفة، بل جاء بالتزامن مع نقاش كبير كان يدور حول الجامعات البريطانية وقلة التنوع وتمثيل الأقليات فيها، خصوصاً بعد تصاعد النقاشات المرتبطة بحركة “حياة السود مهمة” وقضايا إنهاء الاستعمار في المناهج الجامعية.
لكن أرداي لم يكن معروفاً فقط بسبب منصبه. فقد كانت سيرته الشخصية مليئة بالقصص المميزة، من بينها حديثه عن خوض تحديات رياضية ضخمة وجمع ملايين الجنيهات للأعمال الخيرية. ومن بين أكثر القصص التي ارتبطت باسمه أنه ركض مسافة 600 ميل خلال ستة أيام. لكن هذه الرواية وضحها أرداي فيما بعد وقال إن التحدي استغرق فعلياً 12 يوماً، مع وجود أيام للراحة.
كما أثيرت أسئلة حول مبلغ 5.5 مليون جنيه إسترليني الذي قيل إنه جمعه للأعمال الخيرية، قبل أن يوضح أن جمع هذا المبلغ كان نتيجة جهد جماعي شارك فيه أشخاص آخرون.
حتى هذه النقطة، كان الأمر يتعلق بتصحيح تفاصيل في قصة شخصية، لكن الأمور اتخذت مساراً آخر تماماً. في يوليو 2026، ظهرت إلى العلن تساؤلات حول بعض أعمال أرداي الأكاديمية، وكان من أبرز من أثاروا هذه الادعاءات الأكاديمي ناثان كوفناس Nathan Cofnas، الذي كان قد فُصل من جامعة كامبريدج عام 2024.
وتضمنت الاتهامات مزاعم بوجود حالات انتحال في بعض أعمال أرداي، من بينها أجزاء من أطروحته للدكتوراه. لكن أرداي نفى أن يكون قد انتحل أعمال الآخرين، وأكد أن ما حدث يتصل بأخطاء في نسبة بعض المواد إلى أصحابها، وقال إن بعض الأخطاء في أعماله الأكاديمية المبكرة مرتبطة بإصابته بالتوحد وطريقته في التعامل مع المعلومات.
والملفت بالأمر هنا أن جامعة ليفربول جون مورس، التي منحت أرداي الدكتوراه، راجعت أطروحته وأعلنت أنها لم تجد أنه قام بانتحال العمل. ومع ذلك لم يتوقف الجدل عند هذه النقطة.
عندما خرج الخلاف من الجامعة ووصل إلى الإعلام
بالعادة عندما يحدث خلاف حول بحث أكاديمي تكون الجامعة المكان الطبيعي لمناقشته، بالتعاون مع لجان علمية متخصصة، لكن قصة أرداي لم تكن كذلك. فتخيل أن الصحف بدأت بمراجعة أعماله وتقييمها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت النتيجة انقسام الأكاديميين بين من رأى أن الأسئلة المطروحة تستحق التحقيق، ومن دافع عن أرداي واعتبر أن حجم التدقيق الذي تعرض له تجاوز الحدود الطبيعية للنقد الأكاديمي.
وكان وجود جامعة كامبريدج في قلب القصة سبباً إضافياً لتضخمها. فكَمبريدج ليست جامعة عادية، وسمعتها العالمية تقوم بدرجة كبيرة على البحث العلمي والنزاهة الأكاديمية. ولذلك رأى بعض الأكاديميين أن أي شكوك حول عمل أحد أساتذتها يجب أن تؤخذ بجدية. حتى وصل الأمر لكتابة بعض الأكاديميين لإدارة الجامعة رسائل تطالبهم بفتح تحقيق مستقل.
في البداية دافعت كامبريدج عن أرداي، لكنها أعلنت فيما بعد عن تحقيق مستقل في ظروف تعيينه وفترة عمله، مع استمرار تصاعد الجدل. وفي هذه الأثناء قال أرداي إن ما يواجهه لم يعد مجرد نقد أكاديمي.
وقبل استقالته، قال إن “التكلفة الشخصية” لما يحدث أصبحت كبيرة جداً، وإن الاتهامات والتكهنات والتعليقات العامة المتواصلة أثرت فيه وفي عائلته. وأكد أن استقالته لا يجب أن تُفهم على أنها اعتراف بصحة الروايات التي انتشرت عنه.
وبحسب صديقه إيمون ماكريستال Eamonn McCrystal، كان أرداي يشعر بأنه “مدمر” بسبب ما يحدث. وقال ماكريستال إنه حاول طمأنته وإقناعه بأن هذه الفترة ستمر، لكن أرداي أجابه بما معناه أنها لا تبدو كذلك.
كما وصف ماكريستال صديقه بأنه “ألطف شخص” وأنه كان صاحب روح رقيقة جداً، وأشار إلى تقاسمه المكتب مع أرداي في جامعة سانت ماري في تويكنهام، وأن أرداي كان يشارك كثيراً في الإذاعة الطلابية. لكن المفاجأة جاءت بعد أيام قليلة من استقالته، حيث عُثر عليه متوفى.
بعد الوفاة.. لماذا تحولت القضية إلى نقاش عن العنصرية؟
ربما كان أكثر ما تغير بعد وفاة أرداي هو طبيعة النقاش نفسه. فبدلاً من أن يبقى الحديث محصوراً في الأبحاث والاتهامات الأكاديمية، بدأ كثيرون يتساءلون عن الطريقة التي تعرض بها الرجل للضغط، وما إذا كان اللون والعرق قد لعبا دوراً في حجم التدقيق الذي تعرض له.
عائلة أرداي قالت إنها مصابة بصدمة شديدة لفقدان الأب والشريك والأخ والعم والابن، واعتبرت أن “حملة التضليل” التي تعرض لها أصبحت أكثر من اللازم بالنسبة إليه.
أما عمدة لندن السير صادق خان Sadiq Khan فقال إن أرداي تعرض لتدقيق إعلامي متواصل، ووصف ما تعرض له بأنه “مضايقة عامة غير مقبولة” و”تشهير عام خبيث”، معتبراً أن وفاته يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار للجميع.
كذلك قالت جو جرادي Jo Grady، الأمينة العامة لاتحاد الجامعات والكليات، إن مستوى المضايقات والعنصرية التي تعرض لها كان “مقززاً”، وطالبت بالتحقيق في الأمر.
وقال اللورد بول بواتينغ Paul Boateng، الذي أصبح أول وزير أسود في الحكومة البريطانية عام 2002، إنه مصاب بالرعب والصدمة والحزن، وعلق بأن العنصرية في الأوساط الأكاديمية “حقيقة واقعة” ويجب التعامل معها.
أما الأمين العام للاتحاد الوطني للتعليم دانيال كيبيدي Daniel Kebede فقال إن أرداي تعرض لهجوم علني عنيف ووصف الأمر بأنه موجة من العنصرية، محذراً من أن ما حدث قد يبعث برسالة مخيفة إلى السود وغيرهم من الأشخاص القادمين من خلفيات مهمشة بأن الوصول إلى المناصب العامة البارزة قد يجعلهم أهدافاً.
حتى رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام Andy Burnham دعا إلى التوقف عن إصدار الأحكام المتسرعة. ووصف وفاة أرداي بأنها “مأساة على مستويات عديدة”، وقال إن الوقت الآن هو للتأمل في كيفية وصول الأمور إلى هذه المرحلة.
أما السير جيمس كليفرلي James Cleverly، وزير المجتمعات في حكومة الظل، فقال إن هناك أشخاصاً ومؤسسات أكاديمية لديهم أسئلة جدية تحتاج إلى إجابات. وعندما تم توجيه أسئلة له حول مسؤولية جامعة كامبريدج، قال إن على الجامعة أن تسأل نفسها: كيف وصل أرداي إلى هذا الوضع؟ وكيف انتهى به الأمر في قلب العاصفة؟ وما الذي كان يمكن فعله، أو كان يجب فعله، لمنع الأمور من الوصول إلى هذه النهاية؟
من المؤكد أن هذه الأسئلة يطرحها الجمهور أيضاً، ويريد إجابات واضحة عليها. خصوصاً أن أرداي لم يكن يتعرض لهذه الموجة خلال الأسابيع الأخيرة من حياته فقط، فبحسب الأستاذ كيهيندي أندروز Kehinde Andrews، والذي يعد صديقاً لأرداي وأستاذاً في الدراسات السوداء، قال إن ما تعرض له امتد لنحو ثلاث سنوات ونصف.
وأشار إلى أن أرداي تلقى في يوم تعيينه في كامبريدج طلباً بموجب قانون حرية المعلومات يتعلق بمؤهلاته، معتبراً أن بعض الأشخاص لم يكونوا مقتنعين بأن رجلاً أسود يجب أن يصل إلى هذا المنصب في كامبريدج.
في النهاية، قد يتساءل كثيرون حول أسباب الدفاع عن أرداي، ويقولون إن التحقيق في الأبحاث العلمية لأي أكاديمي حق وواجب على جامعة، فعن طريق ذلك تتحقق النزاهة العلمية، لكن ما حدث مع أرداي كان بمثابة حملة تشهير، عدا عن مطاردة الإعلام له ولحياته، وإساءة عنصرية واضحة. وهذا ما يجب أن يعالج ويرفض في الأوساط الأكاديمية. فالجامعة خسرت شاباً طموحاً استطاع رغم إصابته بالتوحد أن يحقق ذاته. وهذا ربما يكون درساً أن النقد والمطالبة بالمساءلة شيء طبيعي، لكن دون أن نستغني عن الإنسان الذي بداخلنا.
اقرأ أيضاً: الذبح الحلال وإعادة تصعيد خطاب العنصرية ضد المسلمين
2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
