من الـ350 مليون جنيه للـNHS إلى الهجرة: ماذا بقي من وعود بريكست؟
تابعونا على:

سياسة

من الـ350 مليون جنيه للـNHS إلى الهجرة: ماذا بقي من وعود بريكست؟

نشر

في

792 مشاهدة

من الـ350 مليون جنيه للـNHS إلى الهجرة: ماذا بقي من وعود بريكست؟

لم تكن حملة بريكست وعداً بالخروج من الاتحاد الأوروبي فقط، كانت وعداً بحياة أبسط، ودولة أكثر سيطرة، ونظام صحي يحصل على مال إضافي، وحدود تستطيع الحكومة ضبطها من جديد. بعد عقد على استفتاء 23 حزيران 2016، تبدو المسألة أقل عاطفية مما كانت يومها. الرقم صار قابلاً للفحص، والهجرة صارت بيانات رسمية، والتجارة صارت كلفة يومية على الشركات. السؤال لم يعد هل خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فهذا حدث وانتهى. السؤال الأثقل هو ماذا بقي من الوعود التي أقنعت 17.4 مليون ناخب بالتصويت للمغادرة؟

اختار البريطانيون الخروج بنسبة 51.9 في المئة، مقابل 48.1 في المئة للبقاء، وبمشاركة بلغت 72.2 في المئة. ثم خرجت المملكة المتحدة رسمياً من الاتحاد الأوروبي في 31 كانون الثاني 2020، وانتهت المرحلة الانتقالية في نهاية العام نفسه. هذه التواريخ معروفة. غير أن السياسة لا تعيش في التواريخ وحدها. تعيش في النتائج.

بريكست ووعد الـ350 مليوناً

أشهر صورة في حملة الخروج كانت الحافلة الحمراء. العبارة التي حملتها صارت اختصاراً كاملاً للمعركة، بريطانيا ترسل 350 مليون جنيه أسبوعياً إلى الاتحاد الأوروبي، فلنموّل بها هيئة الخدمات الصحية الوطنية بدلاً من ذلك. كانت جملة قوية. قصيرة. وتعرف أين تضرب. فالـNHS ليس مرفقاً عادياً في الوجدان البريطاني، بل أحد أعمدة العقد الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن قوة الجملة لم تجعلها دقيقة. أوضحت Full Fact أن الرقم كان مبنياً على إجمالي افتراضي قبل احتساب الخصم البريطاني وما يعود إلى المملكة المتحدة من أموال أوروبية. وقد خلصت إلى أن الحديث عن “استعادة” 350 مليون جنيه أسبوعياً كان استخداماً خاطئاً للإحصاءات الرسمية، وأن الرقم الأقرب قبل احتساب ما يعود من الاتحاد كان نحو 250 مليوناً لا 350 مليوناً. المشكلة الأعمق لم تكن في فرق الحساب فقط، بل في الوعد الضمني بأن الخروج سيخلق مساحة مالية سهلة للإنفاق الصحي.

حدثت زيادة في الإنفاق الصحي فعلاً. يشير Nuffield Trust إلى أن الإنفاق الصحي الكلي في المملكة المتحدة ارتفع بالقيمة الحقيقية من 202 مليار جنيه في 2019-2020 إلى 242 مليار جنيه في 2024-2025، أي ما يعادل أكثر من 750 مليون جنيه إضافية أسبوعياً. للوهلة الأولى قد يبدو ذلك كأن وعد الحافلة عاد من الباب الخلفي. لكنه لا يعود. فالزيادة جاءت ضمن مسار ضغط صحي ومالي طويل، بعد جائحة، وتضخم، وأزمات قوائم انتظار، لا من “فائض بريكست” جاهز. المؤسسة نفسها تقول إن الخروج أعاق القدرة المالية بدل أن يدعمها، لأن الوفر من المساهمة الأوروبية كان أصغر بكثير من الكلفة الاقتصادية المتوقعة للخروج من السوق الموحدة.

إذا كان الإنفاق على NHS قد زاد، فإن الزيادة لم تحل الأزمة. بقيت قوائم الانتظار، وبقي نقص العاملين، وبقيت الحاجة إلى تعاون أوروبي في الأدوية والبحوث وتنقل الكفاءات. بهذا المعنى، لم يكن وعد الـ350 مليوناً كذبة حسابية فقط، بل تبسيطاً سياسياً لمشكلة لا تحلها إعادة توجيه مساهمة عضوية. النظام الصحي يحتاج تمويلاً، نعم. لكنه يحتاج أيضاً اقتصاداً أقوى، وسوق عمل صحية، وسلاسل إمداد مستقرة، واتفاقات تعاون لا تتحول إلى حواجز.

الهجرة.. سيطرة أم تبديل مصادر؟

الوعد الثاني كان أكثر حساسية. استعادة السيطرة على الحدود. بعد بريكست انتهت حرية الحركة لمواطني الاتحاد الأوروبي، وهذه حقيقة قانونية وسياسية مهمة. لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن انخفاضاً بسيطاً ودائماً في الهجرة. تغيّر تركيب الهجرة أكثر مما انكمش حجمها.

تقديرات مكتب الإحصاءات الوطنية للعام المنتهي في كانون الأول 2025 تظهر أن صافي الهجرة بلغ 171 ألفاً، بعد أن وصل إلى ذروة قدرها 944 ألفاً في آذار 2023. هذا تراجع كبير. لكنه لا يلغي المفارقة. فسنوات ما بعد بريكست شهدت صعوداً واسعاً في هجرة غير الأوروبيين، عبر الدراسة والعمل والصحة والرعاية ومسارات إنسانية. وفي عام 2025 قُدّر عدد المهاجرين طويل الأجل إلى المملكة المتحدة بـ813 ألفاً، بينهم 627 ألفاً من خارج الاتحاد الأوروبي ومحيطه، بينما كان صافي هجرة مواطني الاتحاد الأوروبي سلبياً بنحو 42 ألفاً.

بعبارة أبسط، بريكست أغلق باباً وفتح أبواباً أخرى. لم تعد الهجرة الأوروبية الحرة هي المسار المركزي، لكن الاقتصاد البريطاني ظل يحتاج إلى عمال، والجامعات احتاجت إلى طلاب دوليين، وقطاع الرعاية احتاج إلى موظفين، والمنظومة الصحية والاجتماعية لم تعد قادرة على الاكتفاء بالقوة العاملة المحلية. لذلك تحولت السيطرة من شعار انتخابي إلى إدارة معقدة للتأشيرات والقطاعات والنقص.

هذا لا يعني أن وعد “السيطرة” كان بلا أثر. الحكومة صارت تملك أدوات قانونية أكبر لتحديد من يدخل وبأي شروط. لكن الأداة شيء، والنتيجة شيء آخر. السيطرة لا تعني بالضرورة أرقاماً أقل. قد تعني فقط أن الدولة تختار أنواعاً مختلفة من الهجرة، ثم تجد نفسها مضطرة إلى توسيعها تحت ضغط الاقتصاد. هنا ظهرت المشكلة التي لم تقلها الحملة بوضوح كاف. الحدود لا تُدار بالرغبة وحدها. تُدار أيضاً بحاجات السوق والجامعات والمستشفيات والعائلات.

الكلفة التي لا تظهر على الحافلة

الاقتصاد هو المكان الذي تتعرى فيه الوعود الطويلة. مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني ما زال يفترض أن تراجع كثافة التجارة بعد بريكست سيخفض الإنتاجية المحتملة للاقتصاد بنحو 4 في المئة على المدى الطويل، وأن حجم الواردات والصادرات سيكون أقل بنحو 15 في المئة مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. هذه ليست أرقاماً عاطفية. هي تقديرات مالية تدخل في حسابات الموازنة والضرائب والإنفاق.

وتقديرات المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أكثر مباشرة. يشير إلى أن الناتج المحلي الحقيقي في بريطانيا كان بعد ثلاث سنوات من نهاية المرحلة الانتقالية أقل بنحو 2 إلى 3 في المئة مقارنة بسيناريو البقاء، وأن الأثر قد يصل إلى 5 أو 6 في المئة من الناتج بحلول 2035، مع خسارة تقارب 2300 جنيه للفرد. قد تختلف النماذج في التفاصيل، لكن الاتجاه العام واحد. الخروج لم يكن بلا ثمن.

المؤيدون لبريكست يستطيعون القول إن السيادة التشريعية عادت، وإن بريطانيا صارت حرة في عقد اتفاقات تجارية خارج الاتحاد، وإن بعض القيود الأوروبية لم تعد ملزمة لها. هذه نقاط موجودة في النقاش. لكن السؤال العملي يظل قائماً. هل أنتجت هذه الحرية مكاسب تكفي لتعويض الحواجز الجديدة مع أكبر شريك تجاري؟ حتى الآن، لا تقدم الأرقام جواباً مريحاً.

تظهر استطلاعات 2026 أن المزاج العام تغير بوضوح. نقلت رويترز عن استطلاع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن ما يصل إلى ثلثي البريطانيين يرون أن بريكست ترك أثراً سلبياً على البلاد، وأن 57 في المئة يعتقدون أن قرار الخروج كان خاطئاً، بينما يريد ثلاثة أرباع المستطلعين علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي. هذا لا يعني أن عودة بريطانيا إلى الاتحاد باتت مسألة قريبة أو سهلة. لكنه يعني أن الوعد الأصلي فقد كثيراً من قدرته على الإقناع.

بريكست لم يفشل في كل شيء بالطريقة نفسها. أنهى عضوية الاتحاد الأوروبي. أنهى حرية الحركة. أعاد بعض الصلاحيات إلى لندن. لكنه لم ينجز الحياة الأسهل التي وُعد بها الناس. لم يصبح الـNHS أقوى بسبب أموال أوروبية مستعادة. لم تصبح الهجرة مسألة محسومة. ولم يخرج الاقتصاد من العلاقة الأوروبية بكلفة قليلة.

الخلاصة قاسية لكنها واضحة. المشكلة لم تكن في قرار الخروج وحده، بل في بيعه للناس كحل سريع لمشكلات أعمق من الاتحاد الأوروبي. الصحة كانت مأزومة قبل بريكست، والهجرة كانت مرتبطة باحتياجات الاقتصاد، والتجارة كانت تعتمد على الجغرافيا قبل الأيديولوجيا. بعد عقد، لم يبق من الوعود الكبرى إلا اختبارها العملي. والاختبار يقول إن استعادة السيطرة لا تكفي إذا لم تُنتج قدرة أفضل على الحياة.

اقرأ أيضاً: بعد عشر سنوات على بريكست: هل بدأت بريطانيا التفكير جدياً بالعودة إلى أوروبا؟

بعد سقوط الكبار.. من يخطف لقب دوري البطولة الإنجليزية 2026/27؟
رياضة51 دقيقة منذ

بعد سقوط الكبار.. من يخطف لقب دوري البطولة الإنجليزية 2026/27؟

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟
سياسة23 ساعة منذ

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟

من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة
مشاهير23 ساعة منذ

من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة

من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. لماذا يتزايد الضغط على الحكومة البريطانية
أخبار لندن24 ساعة منذ

من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. لماذا يتزايد الضغط على الحكومة البريطانية

كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا
الحياة في بريطانيايومين منذ

كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا

ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد
رياضةيومين منذ

ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد

حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟
سياسةيومين منذ

حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟

اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها
عربية4 أيام منذ

اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها

الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟
علوم وتكنولوجيا4 أيام منذ

الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟

عجز اسكتلندا ينخفض.. والجدل حول الاستقلال يشتعل: ماذا تقول الأرقام؟
مال وأعمال4 أيام منذ

عجز اسكتلندا ينخفض.. والجدل حول الاستقلال يشتعل: ماذا تقول الأرقام؟
















X