للوهلة الأولى، بدت القصة كحلّ إسعافي لأزمة تتفاقم: سجون تقترب من طاقتها القصوى، وإفراجات مبكرة بالجملة لتفادي الانهيار. لكن الحكومة العمّالية الجديدة لم تتوقف عند «الإسعاف»، بل اتجهت إلى الجراحة: مشروع لإلغاء معظم أحكام السجن القصيرة التي تقل عن 12 شهراً، واستبدالها بعقوبات مجتمعية أكثر صرامة وإشرافاً. ومع «نموذج تحفيزي» مستوحى من تكساس يكافئ السلوك الجيّد بتقليص مدة الحبس، يتجه النظام القضائي في إنجلترا وويلز إلى أكبر إعادة تشكيل منذ ثلاثة عقود.
لماذا إلغاء أحكام السجن القصيرة الآن؟
تحرّكت وزارة العدل، بقيادة شبانة محمود (Shabana Mahmood)، بعد صيفٍ شهد تدابير طارئة لتخفيف الاكتظاظ، وتأكيداً بأن البناء وحده لن يكفي. وأكدت الحكومة أنها ستقدّم مشروع القانون في سبتمبر، فور عودة النواب إلى مجلس العموم، لتطبيق الحزمة على وجه السرعة قبل صيفٍ آخر يهدّد القدرة الاستيعابية.
تضم الخطة إنهاء معظم أحكام ما دون 12 شهراً «إلا في ظروف استثنائية»، وتشديد بدائل السجن عبر توسيع الأعمال غير المدفوعة وإتاحة أوامر المنع والسفر وقيادة السيارات، مع تمديد نطاق الأحكام المعلّقة.
وأظهرت أحدث إحصاءات وزارة العدل أن 62.4% من البالغين المفرج عنهم بعد قضاء أحكام تقل عن 12 شهراً عادوا إلى الجريمة خلال عام المتابعة، مقارنة بمعدلات إجمالية أقل بكثير. وهذا الفارق أعاد طرح سؤال الجدوى من «الحبس القصير» إذا كان يغذّي دائرة التكرار بدلاً من كسرها.
ووعدت الحكومة بنموذج «تقدّم مكتسب» يمنح السجناء ذوي السلوك الجيّد فرصة للإفراج المبكّر ضمن حدود محدّدة، مع استثناء الجرائم الأخطر والإرهاب، وبمرافقة توسّع في البدائل المجتمعية تحت رقابة تقنية أشدّ (تتبّع إلكتروني ومناطق تقييد حركة)، وتمكين المحاكم من إجراءات مالية ومصادرات. وتشمل الحزمة أيضاً تمديد استخدام الأحكام المعلّقة لتشمل فئات منخفضة الخطورة وذات احتياجات عالية، مثل الحوامل أو المصابين باضطرابات الإدمان، فضلاً عن خطط لترحيل معظم المدانين الأجانب فور الإدانة.. وهكذا تتبدّل الفلسفة: حبسٌ حين يكون ضرورياً فعلاً، وإشرافٌ محسوب حين تكون العودة للاندماج ممكنة.
ما بين تكساس ولندن… دروس «التحفيز على الإصلاح»
استندت الحكومة إلى تجارب أميركية، بينها تكساس، حيث تسمح «أرصدة حسن السلوك/الوقت المكتسب» بتقليص مدة العقوبة عند استيفاء برامج وتعليم وانضباط. ورغم اختلاف البنية القانونية، فإن الرسالة واحدة: مكافأة التقدّم الحقيقي تُسرّع إعادة الاندماج وتخفّف الكلفة على الدولة. غير أن نقل الدروس يستلزم حذراً في التصميم والضمانات.
وقدّم النموذج الاسكتلندي سابقة قريبة حين اعتمد «قرينة ضد الأحكام القصيرة» ومدّدها إلى 12 شهراً في 2019، بهدف تقليص الحبس قصير الأمد وتوجيه المدانين إلى بدائل مجتمعية أثبتت فعاليتها في خفض العود. ويستعيد صانعو السياسة البريطانيون هذا الدرس وهم يدفعون باتجاه إلغاء أحكام السجن القصيرة في إنجلترا وويلز.
هذا وواجهت الدولة في 2024 و2025 ضغطاً استثنائياً على القدرة الاستيعابية للسجون، ما قاد إلى موجات إفراج مبكر وصفتها الحكومة السابقة والحالية بأنها «شرّ لا بد منه»، وإلى مراجعة شاملة لقواعد الحكم والعقوبة. وأقرت وزارة العدل وحكومة العمال بأن التوسّع في الأبنية (14 ألف مكان إضافي) لن يحلّ الأزمة وحده من دون تخفيف الطلب على السجون عبر إصلاح المنظومة من جذورها. من هنا جاء التوجّه إلى إلغاء أحكام السجن القصيرة وتعزيز البدائل.
أين يقف الضحايا والرأي العام؟
عبّر مفوض الضحايا عن قلقٍ مفهوم من الإفراجات الطارئة، وشدّد على أن سلامة الضحايا يجب أن تبقى الأولوية المطلقة وأن دعم خدمات المراقبة المجتمعية شرط للطمأنينة. في المقابل، رأت منظمات إصلاحية بارزة، مثل «برزون ريفورم ترست» و«هاورد ليغ»، أن الإلغاء المدروس للأحكام القصيرة، مع توفير موارد مناسب للمراقبة والجمعيات الداعمة، يزيد الأمان على المدى الطويل لأنه يخفض العود ويحرّر النظام من «حركة دولاب» الحبس القصير والعودة السريعة. ويعني ذلك أن نجاح إلغاء أحكام السجن القصيرة لن يُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على تمويل الإشراف والعلاج والتدريب والعمل للمحكومين خارج القضبان.
ما الذي نترقّبه في سبتمبر؟
تستعد الحكومة لتقديم مشروع القانون عند عودة البرلمان، مستندةً إلى مراجعة مستقلة قادها وزير العدل المحافظ الأسبق ديفيد جوك (David Gauke) وتبنّت توصياتٍ تشمل تشديد بدائل السجن وتوسيع نطاق الأحكام المعلّقة إلى ثلاث سنوات. ويعتمد مسار التنفيذ على قدرة النظام على «إدارة الانتقال» بلا فراغات: تحويل آلاف الحالات من زنازين مكتظة إلى مجتمعٍ قادر على المتابعة والردع الذكي وإعادة التأهيل. فإذا نجح المسار، فقد تُكتب نهاية زمن «القصير الذي يطيل عمر المشكلة» ويبدأ زمن إلغاء أحكام السجن القصيرة كسياسة أَمنية-اجتماعية متماسكة.
اقرأ أيضاً: قانون الموت الرحيم والإجهاض يقسمان حزب العمال الحاكم