من شغب ثيتفورد إلى أزمة الهوية.. ماذا يحدث في بريطانيا؟
تابعونا على:

أخبار لندن

من شغب ثيتفورد إلى أزمة الهوية.. ماذا يحدث في بريطانيا؟

نشر

في

722 مشاهدة

من شغب ثيتفورد إلى أزمة الهوية.. ماذا يحدث في بريطانيا؟

لم تكن قضايا الهجرة ملفاً عابراً في بريطانيا، خصوصاً بعد تزايد موجات الهجرة عبر القناة الإنكليزية. ورغم محاربة الحكومة البريطانية لها، لا تزال هذه القضية تولد الاحتجاجات بين مؤيدين ومعارضين لها. فعلى الرغم من أن أحداث ثيتفورد تبدو طبيعية، لكن خلفها الكثير من المؤشرات التي تظهر رفض السكان المحليين لوجود منازل تأوي طالبي لجوء، لكن تحول الاحتجاج لمواجهات مع الشرطة أظهرت أن المشكلة لا تكمن في وجود المهاجرين، بل في أزمة هوية تعاني منها المملكة المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع مستويات المعيشة.

كيف بدأت قصة ثيتفورد؟

لم يكن مساء الثلاثاء الماضي طبيعياً في ثيتفورد، حيث تجمع نحو 60 شخصاً أمام عقارات يعتقد أنها تستضيف طالبي لجوء. في البداية كان المشهد عبارة عن احتجاج، لكن التوتر ارتفع عندما حاول بعض المشاركين الوصول إلى أحد المنازل واقتحامه، وسرعان ما تدخلت الشرطة ومنعتهم من ذلك باستخدام الطائرات المسيرة المستخدمة لمراقبة الوضع، وبعدها أخرج عناصر الشرطة خمسة رجال من المنزل لتأمينهم وسط هتافات المحتجين بعبارات مسيئة عليهم.

لكن لم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، بل تطورت إلى ورود بلاغات للشرطة عن وجود تجمع كبير مساء الأربعاء في شارع كلوفر واي Clover Way، حيث بدأ الاحتجاج سلمياً قبل أن يحاول بعض المشاركين اقتحام منزل آخر.

بينما أسفرت هذه المواجهات عن تعرض ثلاثة أفراد من الشرطة للإصابة، حيث تعرضت إحدى الضابطات لعضة تسببت في تمزق جلدها، بينما أصيب ضابط آخر بحجر، وتعرض ثالث للبصق. كما تحدثت الشرطة عن أضرار لحقت بنوافذ وأبواب وأسوار أحد المنازل في شارع سانت جون St John’s Street.

وبعد تصاعد الوضع، عززت شرطة نورفولك Norfolk وجودها في المنطقة، وفعلت صلاحيات مؤقتة للسلامة العامة من السادسة مساء الخميس حتى السابعة صباح الجمعة. وأصبح بإمكان الشرطة، بموجب هذه الصلاحيات، مطالبة الأشخاص بإزالة أغطية الوجه، أو مغادرة المنطقة إذا اشتبهت في تورطهم بسلوك معادٍ للمجتمع أو أعمال فوضى، بالإضافة إلى توقيف من يرفض تنفيذ الأوامر.

أما الاعتقالات، فشملت رجلاً في الأربعينيات من عمره بقي محتجزاً للاشتباه في ارتكابه جريمة تتعلق بالإخلال بالنظام العام.

كما وجهت إلى برايان طومسون Brian Thompson، البالغ 68 عاماً، تهمة حيازة سلاح هجومي، وُصف بأنه مضرب خشبي، قبل الإفراج عنه بكفالة لحضور جلسة في محكمة نورويتش الجزئية في 25 أغسطس.

وأوقف رجل ثالث في الثلاثينيات من عمره بعد أحداث الثلاثاء للاشتباه بارتكابه جريمة تتعلق بالنظام العام، لكنه أُطلق سراحه فيما بعد مع توجيه إنذار مشروط إليه.

أما بعد أحداث الخميس، فأوقِف رجلان في الأربعينيات من عمرهما، أحدهما للاشتباه في التحريض على الكراهية العنصرية، والآخر للاشتباه في السكر وإثارة الشغب ورفض الإدلاء بأقواله للشرطة.

من منزل في ثيتفورد إلى قضية تشغل بريطانيا

لا بد من أنك قد تتساءل عن الأسباب التي أوصلت الأمر إلى هذه الدرجة، والإجابة تكمن في ملف طالبي اللجوء. فالحكومة البريطانية تخطط لاستخدام مواقع عسكرية سابقة لإيواء طالبي اللجوء، وهي خطوة أثارت اعتراضات في عدد من المناطق. وفي ثيتفورد تحديداً، زاد التوتر بعدما انتشرت مخاوف من أن بعض طالبي اللجوء يقيمون داخل عقارات في المدينة.

وبالنظر إلى الحوادث السابقة، سنجد أن ثيتفورد لم تكن حالة منفردة، بل تحولت الفنادق التي تستضيف طالبي اللجوء إلى أماكن لتكرر الاحتجاجات، والتي بعضها قد يتحول إلى أعمال عنف.

كما استفادت الأحزاب اليمينية من تصاعد الغضب. وكان من أبرزها حزب الإصلاح Reform UK، الحزب اليميني المناهض للهجرة، الذي كان يُعرف سابقاً باسم حزب بريكست، وتمكن من تحقيق نتائج قوية في انتخابات المجالس المحلية في مايو الماضي.

وفي الشوارع أيضاً ظهرت مسيرات مثل “توحيد المملكة” Unite the Kingdom، التي جذبت آلاف المشاركين، وسط حضور واضح لخطاب معادٍ للمهاجرين والأجانب.

وكل ذلك نستطيع معرفة أسبابه من خلال أرقام الهجرة التي ترتفع وتنخفض حسب الأوضاع الإقليمية والدولية، عدا عن ذلك ازدياد الهجرة غير الشرعية التي لا تزال الحكومة البريطانية إلى الآن تحاول وضع حد لها، غير أن نتائج الإجراءات المتخذة لم تكن كما هو متوقع.

الهجرة ارتفعت بقوة.. ثم تراجعت

إذا نظرنا إلى الأرقام سنعرف أن الهجرة ليست جديدة على بريطانيا. ففي عام 2024، كان نحو خُمس سكان المملكة المتحدة مولودين خارج البلاد. وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، استقبلت البلاد أعداداً كبيرة من المهاجرين الأوروبيين، خصوصاً بعد انضمام دول جديدة إلى الاتحاد الأوروبي في العقد الأول من الألفية. كما تستضيف بريطانيا نحو 10% من الطلاب الدوليين في العالم، وهو ما يمثل جزءاً مهماً من حركة الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي.

وبعد بريكست، تغيرت قواعد الهجرة واتسعت بعض مسارات الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصاً مع إلغاء الحد الأقصى لتأشيرات العمالة الماهرة.

لذلك وصل صافي الهجرة إلى ذروته مع نهاية عام 2023، عندما بلغ نحو 944 ألف شخص، أي ما يقارب 1.4% من عدد السكان. إلا أن الرقم عاد للانخفاض بشكل كبير مع نهاية ديسمبر 2025، حيث بلغ صافي الهجرة نحو 171 ألف شخص، بانخفاض يقارب 82% عن ذروة 2023.

أما صافي هجرة مواطني الدول من خارج الاتحاد الأوروبي، فبلغ نحو 350 ألف شخص، ولا يزال الطلاب الدوليون يشكلون نسبة مهمة منهم، إلى جانب تأثير صعوبة الحصول على الجنسية والعثور على جهات راعية للتأشيرات.

أما القوارب الصغيرة التي تعبر القناة الإنجليزية، فهي واحدة من أكثر ملفات الهجرة إثارة للجدل في بريطانيا. فقد ارتفع عدد الواصلين عبرها بشكل واضح منذ عام 2021، ووصل إلى نحو 45,774 شخصاً في 2022، ثم تراجع في 2023 قبل أن يرتفع مجدداً إلى نحو 41,472 شخصاً في 2025. وفي مارس 2025، تقدم نحو 109,343 شخصاً بطلبات لجوء في المملكة المتحدة.

وعلى الرغم من تموج أرقام المهاجرين للمملكة المتحدة، إلا أنها من الدول القليلة التي تمنح اللجوء عند مقارنتها بدول الاتحاد الأوروبي، حيث جاءت في المرتبة 17 وفق المقارنة المشار إليها.

وهذا يجعلنا أمام تساؤل مشروع حول غضب البريطانيين من موجات الهجرة، فهل حقاً يخافون من وجود أزمة هوية؟ ولماذا هذا الخوف أصلاً؟

هل المشكلة في الهجرة أم في هوية بريطانيا؟

من السهل ربط الاحتجاجات بالأوضاع الاقتصادية. فبريطانيا عانت خلال السنوات الماضية من ارتفاع التضخم وضغوط على تكاليف المعيشة، ولا تزال تعاني إلى الآن، بينما بقيت البطالة عند نحو 5% تقريباً، ولم يحقق نصيب الفرد من الناتج المحلي تحسناً كبيراً.

لكن الاقتصاد وحده لا يكون كافياً لتفسير ما يحدث. فلو كانت الأزمة الاقتصادية هي السبب الرئيسي، لكان من المتوقع أن تكون الاضطرابات أشد خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، أو في الفترة التي جاءت بعد جائحة كورونا مباشرة. كما أن دولاً أخرى لديها معدلات هجرة مرتفعة تواجه ضغوطاً اقتصادية مشابهة، لكنها لم تشهد المستوى نفسه من التوتر.

وهنا يظهر التفسير الأعمق، فربما تعيش بريطانيا أزمة في هويتها الوطنية. فبحسب ما قال المحللون، إن بريطانيا عاشت لفترات طويلة على أنها إمبراطورية لها مكانتها كقوة عالمية. لكن بعد خمسينيات القرن الماضي، بدأت الإمبراطورية تتراجع، وفقدت هذه الرواية مكانتها تدريجياً، خصوصاً مع تصاعد النقد السياسي والثقافي للماضي الاستعماري.

المشكلة أن بريطانيا لم تجد، بالوضوح نفسه، رواية جديدة تستطيع أن تجمع الجميع حولها. فكندا، مثلاً، بنت جانباً مهماً من هويتها على الوطنية المدنية والتعددية الثقافية وازدواجية اللغة. وسويسرا تستند إلى الديمقراطية المباشرة والنظام الفيدرالي، بينما تملك فرنسا مبادئ الجمهورية والعلمانية التي تشكل جزءاً أساسياً من تصورها لهويتها.

أما بريطانيا بحسب المحللين، فما زالت تبحث عن إجابة مقنعة لسؤال: ما الذي يجمع البريطانيين اليوم؟ وهذا السؤال مهم أكثر مما قد يبدو. فالهوية الوطنية ليست مجرد شعارات أو تاريخ مشترك، بل يمكن أن تساعد الناس على الشعور بأنهم ينتمون إلى مجتمع واحد، حتى عندما تختلف أصولهم وآراؤهم.

عندما يكون هذا الشعور قوياً، يصبح من الأسهل تقبل التنوع والمهاجرين الجدد. أما عندما يكون ضعيفاً، فقد يتحول القلق بشأن الهجرة إلى قلق أكبر حول هوية البلد نفسه.

وهنا يمكن فهم ما حدث في ثيتفورد بطريقة مختلفة. فالمشكلة ليست فقط في منزل يُعتقد أن طالبي لجوء يقيمون فيه، ولا في عدد القادمين عبر القوارب. هناك شعور أوسع بالقلق حول المستقبل والانتماء ومكانة الفرد داخل المجتمع.

ولهذا أدان النائب عن دائرة جنوب غرب نورفولك تيري جيرمي Terry Jermy أعمال العنف، ووصف المشاهد في ثيتفورد بأنها “مقلقة للغاية”، محذراً من أن حكم الغوغاء والعدالة الأهلية أمر غير مقبول.

في النهاية، الهجرة موجودة في كل الدول، والحكومة البريطانية تحاول الحد من الجانب غير الشرعي منها، لكن في الوقت نفسه عليها معالجة الأمر من منظور توفر الأمان. فإذا استطاعت الشرطة معالجة الاحتجاجات اليوم، غير أنها لم تستطع معالجة مخاوف البريطانيين حول هويتهم.

اقرأ أيضاً: رائدة الأعمال لينا العلي لأرابيسك لندن: جشع المادة وجشع الهوية يسعيان بوقاحة نحو تدمير كوكبنا!

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
سياسة3 ساعات منذ

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
علوم وتكنولوجيا5 ساعات منذ

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
مال وأعماليوم واحد منذ

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
سياسةيوم واحد منذ

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
رياضةيوم واحد منذ

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعماليومين منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضةيومين منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندن3 أيام منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعمال3 أيام منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسة3 أيام منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
















X