لم تعد موجات الحر في بريطانيا مجرد أيام صيفية ثقيلة يهرب فيها الناس إلى الظل والمياه الباردة. خلال هذا الصيف، تحولت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف وحرائق الغابات إلى مشكلة تمس الحياة اليومية والاقتصاد والخدمات العامة، وتدفع منظمات بيئية إلى مطالبة الحكومة بالتعامل مع تغير المناخ باعتباره أزمة حقيقية لا ملفاً مؤجلاً.
أكثر من 50 منظمة تطالب بموقف واضح
وجهت أكثر من 50 منظمة بيئية ومجتمعية في بريطانيا رسالة إلى رئيس الوزراء Andy Burnham، طالبته فيها بإظهار قيادة سياسية أوضح تجاه أزمة المناخ، خصوصاً مع استمرار موجات الحر وامتداد آثار الجفاف والحرائق في مناطق مختلفة من البلاد. وترى هذه المنظمات أن الحديث عن آثار الطقس المتطرف بمعزل عن تغير المناخ لا يكفي، معتبرة أن الاعتراف بأسباب الظاهرة يمثل خطوة ضرورية لوضع سياسات قادرة على التعامل معها والاستعداد لتداعياتها المقبلة.
وضمت قائمة الموقعين منظمات بيئية ومجتمعية بارزة، من بينها Greenpeace وWWF وGreen New Deal Rising وWomen’s Institute وUplift وFriends of the Earth. يأتي الضغط السياسي في وقت تواجه فيه بريطانيا ظروفاً مناخية قاسية، مع موجات حر متكررة وجفاف واندلاع حرائق في مناطق مختلفة. ولا تتوقف آثار هذه الظروف عند ارتفاع درجات الحرارة، إذ تقول المنظمات البيئية إن الطقس المتطرف بدأ يترك انعكاسات مباشرة على قطاعات حيوية، من بينها التعليم والنقل والصحة والاقتصاد.
تشير هذه الصورة إلى تغير طبيعة التعامل مع موجات الحر، بعدما أصبحت مرتبطة بتكاليف تشغيلية واقتصادية وبقدرة المؤسسات العامة على الاستجابة، فضلًا عن تأثيرها في حياة السكان اليومية. وفي Suffolk، على سبيل المثال، اندلع حريق في منطقة Dunwich Heath، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يمكن أن ترافق الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الحر.
اقرأ أيضاً: حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟
اجتماع طارئ دون حديث واسع عن المناخ
وعقد Andy Burnham اجتماعاً ضمن آلية Cobra لمناقشة تداعيات موجة الحر والجفاف، في محاولة لتنسيق الاستجابة الحكومية للظروف الاستثنائية. لكن المنظمات البيئية انتقدت الخطاب الذي أعقب الاجتماع، معتبرة أن التركيز على بعض مسببات الحرائق، مثل حفلات الشواء التي تستخدم أدوات قابلة للرمي، لا يعالج الصورة الأوسع المرتبطة بتغير المناخ.
وتقول هذه الجهات إن الإجراءات المتعلقة بالوقاية من الحرائق مهمة، لكنها لا يمكن أن تحل محل سياسات طويلة الأمد تتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس والانبعاثات.
يكتسب هذا الجدل أهمية إضافية بسبب مواقف Andy Burnham السابقة عندما كان عمدة Greater Manchester، حيث تحدث في مناسبات عدة عن مخاطر تغير المناخ ودعم إجراءات مرتبطة بخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري. وترى المنظمات الموقعة على الرسالة أن هذا الموقف السابق يجب أن ينعكس في دوره الحالي كرئيس للوزراء، خصوصاً أن المسؤولية الحكومية أصبحت أوسع، وأن القرارات المتعلقة بالطاقة والبيئة باتت مرتبطة مباشرة بمستقبل الاقتصاد والصحة والأمن.
في المقابل، ظهر خطاب أكثر وضوحاً من وزير الخارجية الجديد Ed Miliband، الذي تحدث عن حجم أزمة المناخ وربطها مباشرة بالظروف المناخية التي تواجهها بريطانيا، محذراً من أن تداعياتها قد تتحول إلى قضية مرتبطة بالأمن القومي.
النفط والغاز في قلب الاختبار
لا يتعلق الجدل البريطاني فقط بكيفية التعامل مع موجات الحر الحالية، بل يمتد إلى قرارات الطاقة التي يمكن أن تحدد اتجاه السياسة المناخية خلال السنوات المقبلة. وتواجه الحكومة قراراً بشأن المضي قدماً في عمليات حفر جديدة في بحر الشمال، بما في ذلك مشروعا Jackdaw للغاز وRosebank للنفط. وتعتبر مجموعات بيئية هذه المشاريع اختبارًا فعليًا لمدى جدية الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المناخية، محذرة من أن استمرار التوسع في إنتاج النفط والغاز قد يصطدم بالسياسات الرامية إلى خفض الانبعاثات.
يقول الناشطون إن المطلوب لا يقتصر على الاستجابة للحرائق وموجات الحر بعد وقوعها، بل يشمل معالجة الأسباب بعيدة المدى، والاستثمار في الطاقة النظيفة وحماية الطبيعة وتقليل الانبعاثات.
موجات الحر.. أزمة تتجاوز بريطانيا
ما يحدث في بريطانيا لا يأتي بمعزل عن المشهد الأوروبي الأوسع، إذ شهدت دول عدة خلال الفترة الأخيرة موجات حر وجفافاً وحرائق غابات، وسط نقاش متزايد حول قدرة الحكومات على التكيف مع الظروف المناخية الأكثر تطرفاً. وبالنسبة لبريطانيا، يضع تكرار موجات الحر الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف تحمي السكان والخدمات العامة والاقتصاد من آثار المناخ المتغير، وفي الوقت نفسه تتخذ قرارات طاقة قد تكون لها آثار تمتد لعقود.
هنا يتجاوز النقاش مسألة ارتفاع الحرارة في صيف واحد، ليصل إلى سؤال أكبر حول شكل الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية التي تحتاجها البلاد في السنوات المقبلة.
وتحاول المنظمات البيئية دفع الحكومة نحو الاعتراف بأن تغير المناخ لم يعد قضية مستقبلية بعيدة، بل عاملاً حاضراً في الأزمات التي تواجهها البلاد. فالحرائق والجفاف وموجات الحر تضع ضغطاً متزايداً على الخدمات، بينما يتطلب التكيف معها استثمارات في البنية التحتية والصحة والطاقة وإدارة المياه وحماية الطبيعة.
في الختام، لا تبدو القضية مرتبطة بدرجات الحرارة وحدها، وإنما بقدرة الحكومة على تحويل التحذيرات المناخية إلى سياسات عملية، قبل أن تصبح كل موجة حر جديدة اختباراً آخر لقدرة الدولة على حماية سكانها واقتصادها.