من نعمة إلى نقمة، كيان يصادم عقولنا.. كيف ننقذ البشرية من وبال الذكاء الاصطناعي؟
تابعونا على:

أخبار لندن

من نعمة إلى نقمة، كيان يصادم عقولنا.. كيف ننقذ البشرية من وبال الذكاء الاصطناعي؟

نشر

في

1٬546 مشاهدة

من نعمة إلى نقمة، كيان يصادم عقولنا.. كيف ننقذ البشرية من وبال الذكاء الاصطناعي؟

من فكرة تسبح بالخيال العلمي إلى كيان موجود في بيوتنا ومتناولنا نتحدث معه ويتحدث معنا، نحدق به ويُحدق بنا، يقود سياراتنا وأحياناً يفكر ويقرر عنا، من يوقف دفق الذكاء الاصطناعي و انتشاره في حياتنا؟. بدا كأداة بسيطة تحل مسائل رياضية وتنظم البيانات وانتهى به المطاف في تشخيص الأمراض وحل مشاكلنا النفسية، حتى باتت بعض نماذجه تحاكي التفكير البشري وتقلده، في ظل القفزة النوعية التي شهدتها قدرات الذكاء الاصطناعي في العالم على مدى السنوات الأخيرة.

هل نحن على أعتاب الاقصاء من قبل كيان صنعناه؟  في ظل تحذيرات أقل ما يقال عنها مخيفة أطلقها الأب الروحي (للعقول الرقمية) “جيفري هينتون Geoffrey Hinton”، بات من الضروري اتخاذ اجراءات لوضع حد للعقول الرقمية ومنعها من التحول لوبال على البشرية.

أبرز ما وصلت إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي في العام الحالي 2025

عقول رقمية شكلت عالمنا الجديد في مجالات عدة: الصحة والدراسة والعمل والترفيه. بقي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي مستمراً، تحديداً مع تطور قدرات الحوسبة والتخزين وسرعة نقل البيانات وتطوير خوارزميات جديدة مفيدة للمستخدمين في شتى جوانب الحياة.

من أبرز التقنيات الحالية، التعرف على العناصر الموجودة في الصور والفيديوهات بدقة فائقة وتصنيفها وفرزها بشكل صحيح والتعرف على النصوص فيها «AI Vision»، وذلك بسبب زيادة إنتاج المستخدمين للصور والفيديوهات وتحليله لها من خلال منصات مشاركة هذه الملفات وفهمه للمشاهد المعقدة فيها. تساعد هذه التقنية في إنتاج صور وفيديوهات توليدية بشكل أكثر إبهاراً، إلى جانب دعم الشركات لها من خلال كاميرات الهواتف الجوالة (مثل «عدسة غوغل» Google Lens للتعرف على العناصر المحيطة بالمستخدم) مما قد يشكّل خطراً على خصوصية المستخدمين واحتمال مراقبتهم دون علمهم ما لم يتم اتخاذ التدابير اللازمة لمنع ذلك.

وتستخدم نظم مركبة من الذكاء «Composite AI» من أكثر من مصدر لإتمام مهام أكثر تعقيداً مما يستطيع نظام واحد القيام به. بفعل هذه التقنيات يمكن إيجاد روابط عميقة بين البيانات المعقدة بسهولة وتقديم فيديوهات تحتوي على الأشخاص أنفسهم عبر الكثير من المشاهد وتعديل الإضاءة حسب البيئة وتغيير لغة المحادثات في الحال، وغيرها.

كما نجح أحدث نموذج من OpenAI في حل خمس مشكلات من أصل ست في امتحان أولمبياد الرياضيات الدولي. ووصف “سام ألتمان Sam Altman”، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، الأمر بأنه “علامة مهمة على مدى تقدم الذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي”. وقال “غاري ماركوس Gary Marcus” المتخصص في الذكاء الاصطناعي إنه “أعجب” بالنموذج، لكن فائدة النموذج لم تظهر بعد.

وأحدث نموذج تجريبي من OpenAI هو عبقري في الرياضيات، حيث حقق أداءً جيداً للغاية في اختبار رياضيات صعب للغاية لدرجة أن الجميع يتحدثون عنه الآن. ويقال إن النموذج يُمثل نقلة نوعية في مجال الذكاء العام. وأداءه “يفتح آفاقاً جديدة في مجال التعلم التعزيزي للأغراض العامة”. على النقيض من ذلك، صُمم نموذج AlphaGeometry من DeepMind خصيصاً لإجراء العمليات الحسابية.

اقرأ أيضاً: OpenAI والمملكة المتحدة توقعان اتفاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة

التصادم البشري مع العقول الرقمية ما المخاطر والتأثيرات

دق الأب الروحي للعقول الرقمية ناقوس الخطر للبشرية جمعاء خلال كلمة ألقاها أثناء تكريمه في جائزة نوبل للفيزياء والكيمياء، حيث توجه للحضور مخاطباً، إن التقدم المذهل المحقق في صيغ جديدة من العقول الرقمية بات مذهلاً، إذ يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتعلم حل المشكلات الحسابية المعقدة. وهذا الشكل الجديد يتفوق في محاكاة الحدس البشري أكثر من المنطق البشري!

ما يتيح تطوير مساعدين أذكياء ومطلعين بدرجة عالية، ما يزيد من الإنتاجية في مختلف الصناعات.

لكن للأسف أن هذا التقدم السريع يرافقه العديد من المخاطر قصيرة المدى، ما يخلق بالفعل فقاعات انغلاق إعلامي حسب وصفه، من خلال تقديم محتوى يثير الغضب والانقسام لدى المستخدمين لاستخدامه ربما من قبل الحكومات الاستبدادية للمراقبة الجماعية، ويمكن من خلاله إنشاء فيروسات خطرة وأسلحة قاتلة تقرر من نفسها القتل والتشويه.

بدأ أول صدام حقيقي بين الذكاء والإنسان في مجال العمل، ولم يخفه يوماً المطورون بأنه سيكون المهدد الحقيقي لكثير من الوظائف التي يشغلها الإنسان الآن، ولن يكتفي بالاستبدال الجزئي، بل سيصل للإحلال الكامل، فالمحطة التي يعمل فيها عشرون عاملاً، يكفيها خمسة “روبوتات” فقط. حصل ذلك في بولندا Poland في العام 2024، حين استبدلت إذاعة “كراكوف Krakow” كل طاقمها من الصحفيين والمذيعين البشريين بصحفيين ومذيعين آليين.

لكن هناك وجه آخر من التصادم، حيث اكتشفت شركة متخصصة في سلامة الذكاء الاصطناعي أن أحدث نموذج من OpenAI يمكنه عصيان التعليمات المباشرة بالتوقف عن العمل، بل ويُعطّل آليات التوقف عن العمل أيضاً لمواصلة العمل. في حين يُفترض أن نموذجي O3 وO4-mini من OpenAI، اللذين يُشغّلان روبوت الدردشة ChatGPT، هما أذكى نماذج الشركة حتى الآن، وهما مدربان على التفكير لفترة أطول قبل الاستجابة. ومع ذلك، يبدو أنهما أقل تعاونًا.

وجدت شركة Palisade Research، المستكشفة لقدرات العقول الرقمية الخطيرة، أن النماذج تُعطّل أحياناً آلية إيقاف التشغيل، حتى عندما يُطلب منها “السماح بإيقاف التشغيل”، وفقاً لموضوع نقاش نُشر على منصة X في 24 مايو الماضي.

كما كشف باحثون أن بعض النماذج الرقمية تكذب وتغش وتُعطّل الآليات لتحقيق أهدافها. ومع ذلك، أشارت Palisade Research إلى أنها، على حد علمها، المرة الأولى التي يُلاحظ فيها أن تلك الأنظمة تمنع نفسها من التوقف عن العمل رغم وجود تعليمات صريحة تُلزمها بذلك. ولم ترد OpenAI على طلبات الباحثين، للتعليق على لحادثة حتى تاريخيه.

اقرأ أيضاً: تشغيل أقوى حاسوب عملاق في بريطانيا لتطوير الذكاء الاصطناعي

إجراءات للحد من تطور الأنظمة الرقمية إلى وبال يهدد ويجتاح البشرية

تَقدمْ هذه الأنظمة يشكل نقطة تحول حضارية ومفصلية في تاريخ البشرية ويتعدى كونه مجرد إنجاز تقني، فهذا النوع الجديد لا يقلّد المنطق البشري فحسب، بل قد يتفوق عليه في بعض المجالات خلال سنوات قليلة قريبة لا عقود طويلة بعيدة.

وجزء من دعوة “هينتون” خلال حفل “نوبل” كانت تدور حول الحد من قدرات تلك الأنظمة، فهي تتمدد وتتمادى كل يوم. فدعا بشكل واضح إلى إجراء أبحاث جديدة، وإنشاء نظم رقابية صارمة، وتعاون دولي لتوجيه هذا التقدم قبل أن يفلت من السيطرة، فيجب توجيه تلك القوة نحو البناء لا التهديد.

يجب وضع المعايير لتحديد المتطلبات المناسبة لمطوري الذكاء الاصطناعي الرائد، من متطلبات التسجيل والإبلاغ لتزويد الجهات التنظيمية برؤية واضحة لعمليات تطويره، مع وضع آليات لضمان الامتثال لمعايير السلامة لتطوير ونشر نماذجه الرائدة.

كما يُعدّ التنظيم الذاتي لقطاع البرمجيات خطوة أولى مهمة. ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى مناقشات مجتمعية أوسع وتدخل حكومي لوضع المعايير وضمان الامتثال لها. كذلك منح صلاحيات إنفاذ للجهات الإشرافية وأنظمة ترخيص لنماذج الذكاء امع اقتراح مجموعة أولية من معايير السلامة، تشمل هذه المعايير إجراء تقييمات مخاطر ما قبل النشر، والتدقيق الخارجي لسلوك النموذج، واستخدام تقييمات المخاطر لتوجيه قرارات النشر، ورصد المعلومات الجديدة حول قدرات النموذج واستخداماته بعد النشر والاستجابة لها.

مع الاستناد إلى مبدأ الحيطة، عبر فرض وجود التزام دولي للتخفيف من خطر تعرض البشر للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي. وغالباً ما يُستشهد بهذا المبدأ فيما يتعلق بالتنظيم البيئي وتنظيم التقنيات الضارة المُحتملة، وينص على أنه في الحالات التي يُحتمل فيها حدوث ضرر جسيم، حتى في غياب اليقين العلمي الكامل، لا ينبغي تأجيل التدابير الوقائية إذا كان التأخير في اتخاذ الإجراءات قد يُؤدي إلى عواقب لا رجعة فيها. ومبدأ الحيطة مبدأ عام في القانون الدولي، وبالتالي، هناك التزام إيجابي على الدول مراعاته، بموجب الحق في الحياة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، بناء عليه يجب اتخاذ إجراءات تنظيمية استباقية للحد من المخاطر الوجودية المحتملة للعقول الرقمية والحد من احتمال إثقالها لكاهل البشر الآن وفي المستقبل.

ويكتسب هذا الأمر أهمية، لأنه إذا أمكن إرساء التزام دولي بتنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي بموجب القانون الدولي، فسيكون الإطار القانوني الأساسي جاهزاً لمواجهة هذا التهديد المتنامي.

اقرأ أيضاً: تطوير الذكاء الاصطناعي ضمن الخطط الحكومية عبر منحة رودس

ختاماً، الذكاء الاصطناعي بات أمر واقع يَفرض التعامل معه بمحاسنه وسلبياته، لا يمكن إغفال التقدم العلمي اللافت للعقول الرقمية والتسهيلات التي قدمتها للبشرية وما زالت تقدمها حتى اللحظة. لكن لا يمكن غض الطرف عن اجتياحها لأدق تفاصيل الحياة البشرية ومحاكاتها المخيفة للعقل البشري ومحاولاتها للتفوق عليه وتطوير نفسها بشكل ذاتي، ما يصعب السيطرة في المستقبل، وهنا تكمن الخطورة. وللمواجهة يجب تضافر جهود الشركات المشغلة لتلك الأنظمة مع المجتمع الدولي للسيطرة على تلك البرمجيات التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم وتهدد وجود البشرية كمنطق وفكر إلى جانب تهديد الوجود المادي.

X