لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة صيفية عابرة، بل بدأت تؤثر على تفاصيل الحياة اليومية، من تصميم المنازل إلى فواتير الكهرباء وحتى النقاشات المتعلقة بسياسات المناخ. ومع ارتفاع درجات الحرارة في السنوات الأخيرة، يبدو أن شريحة متزايدة من الأوروبيين تنظر إلى تبريد المنازل كمسألة تتعلق بالصحة والسلامة، وليس مجرد الراحة.
كشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة YouGov في ست دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بولندا، إسبانيا، والمملكة المتحدة) أن عدد كبير من السكان يؤيدون الآن تسهيل تركيب أجهزة التكييف، خاصة بعد موجات الحر التي وصلت فيها درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية أو أكثر.
الحر الآن عامل رئيسي في تخطيط المنازل
أظهرت نتائج الاستطلاع أن ما بين 30% و52% من المشاركين في الدول الست أعربوا عن قلقهم على صحة أفراد أسرهم خلال موجات الحر الأخيرة. في ألمانيا، قال 53% من المشاركين إنهم لم يتمكنوا من تبريد منازلهم بشكل كافٍ، مقارنة بـ 41% في فرنسا و27% في إسبانيا. تعكس هذه الأرقام مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بعدم الراحة. قد تشكل درجات الحرارة المرتفعة داخل المنازل خطراً بالغاً على كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، لا سيما عندما تستمر موجات الحر لعدة أيام متتالية.
كشف الاستطلاع عن تأييد قوي لتركيب أجهزة التكييف كتجهيز أساسي في المنازل الجديدة، حيث تراوحت النسب بين 61% و73% في مختلف البلدان التي شملها الاستطلاع. كذلك، أيد ما بين 65% و75% تبسيط إجراءات تركيب أجهزة التكييف في المنازل، بما في ذلك تقليل الحاجة إلى تراخيص من السلطات المحلية أو مالكي العقارات.
تراوح تأييد الحكومات لتركيب أجهزة التكييف بين 52% و66%، مما يشير إلى أن تكلفة التبريد أصبحت عاملاً رئيسياً في النقاش الدائر حول قدرة الأسر على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة.
اقرأ أيضاً: منزل بريطاني دون مكيف يهزم موجة الحر.. والسر في جدرانه!
التكييف مقابل الانبعاثات
لكن المشكلة لا تقتصر على المنزل. فزيادة استخدام أجهزة التكييف تعني أيضاً زيادة استهلاك الطاقة، مما يطرح سؤالاً أمام الحكومات الأوروبية، كيف يمكنها حماية سكانها من الحرارة الشديدة دون المساس بأهدافها لخفض الانبعاثات؟
في خمس من الدول الست التي شملها الاستطلاع، فضل عدد أكبر من المشاركين إعطاء الأولوية لتوسيع نطاق استخدام مكيفات الهواء وتعزيزها للتخفيف من آثار موجات الحر، بدل من التركيز على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وكانت إيطاليا استثناءً لهذه القاعدة.
مع ذلك، لا يبدو أن الأوروبيين ينظرون إلى مكيفات الهواء على أنها الحل الوحيد. فقد رأى ما بين 27% و42% من المشاركين أن تدابير تبريد المنازل الأخرى، مثل العزل الحراري والستائر الخارجية والأسقف العاكسة، يجب أن تحظى بالأولوية على تركيب مكيفات الهواء.
تكلفة التبريد مشكلة بحد ذاته في الحر
على الرغم من تفاوت مستويات استخدام مكيفات الهواء، إلا أن أوروبا لا تزال أقل اعتماداً عليها بكثير من الولايات المتحدة. حسب الاستطلاع، يمتلك 63% من الإيطاليين و58% من الإسبان مكيفات هواء، مقارنةً بـ 30% في فرنسا، و23% في بولندا، و16% في ألمانيا، بينما لا تتجاوز النسبة 11% في المملكة المتحدة. لا تزال التكلفة العائق الرئيسي أمام العديد من العائلات، فقد ذكر ما بين 51% و75% من المشاركين في استطلاعات الرأي في مختلف البلدان أن السعر هو السبب الرئيسي لعدم امتلاكهم مكيفات هواء.
وحتى أولئك الذين يمتلكون مكيفات هواء لا يستخدمونها دائماً بشكل غير مسؤول. فقد أفاد ما بين 28% و38% من مالكي مكيفات الهواء في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا أنهم يستخدمونها بشكل متكرر، ولكن نتيجة لذلك، اضطروا إلى تقليص نفقاتهم على الضروريات الأخرى. وهكذا، تكشف موجات الحر عن نمط حياة أوروبية جديدة، فقد أصبح التكيف مع الحرارة ضرورة، لكن تكلفة هذا التكيف، إلى جانب تداعياته على المناخ والطاقة، تشكل تحدي صعب.
ختاماً، بين تكييف الهواء والعزل وتنسيق الحدائق وتصميم المباني، يبدو أن مواجهة صيف أكثر حرارة لن تكون قرار تقني بسيط، بل مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة. ففي نهاية المطاف، لا يقاس تأثير المناخ على فواتير الكهرباء إلا بارتفاع درجات الحرارة.