سياسة
موسكو تهدد ولندن تصعّد.. هل تدخل العلاقات البريطانية الروسية مرحلة أخطر؟
نشر
منذ شهرينفي
737 مشاهدة
By
ahmed.ali
اختار رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام كييف، في 24 أغسطس 2026، لتكون وجهة أول رحلة خارجية له. وأعلن أن الحكومة سمحت لشركة MBDA بالإفراج عن معلومات سرية تتعلق بالمكونات البريطانية في صاروخ SCALP الفرنسي، بما يتيح لفرنسا وأوكرانيا التقدم نحو خطوط تجميع محلية. رد الكرملين بأن بريطانيا «تضيف الوقود إلى النار»، وقال دميتري بيسكوف إن الجيش الروسي يجمع المعلومات لتحديد مواقع إنتاج الصواريخ والمعدات داخل أوكرانيا وتدميرها. ثم وصف برنهام التهديدات الروسية بأنها غير مقبولة وأكد أن لندن لن تتراجع.
المواجهة الكلامية حادة، والخطوة البريطانية أعمق من شحنة ذخيرة عابرة، لكنها لا تعني تلقائياً أن لندن وموسكو دخلتا حرباً مباشرة. حتى الآن يتجه التهديد الروسي المعلن إلى منشآت ستقام داخل أوكرانيا، لا إلى مصنع في بريطانيا، فيما تصف لندن دعمها بأنه مساعدة دولة تدافع عن نفسها. الخطر الحقيقي يكمن في مسار التصعيد: انتقال الدعم من التسليم إلى المعرفة والإنتاج، واتساع ساحات الحرب الهجينة، واحتمال خطأ في الحساب يلامس أصولاً أو أفراداً بريطانيين.
ما الذي أعلنته لندن بالضبط؟
القرار لا يمنح أوكرانيا «مخطط صاروخ بريطاني» كاملاً كما توحي بعض العناوين، بل يسمح بالإفراج عن معلومات سرية تخص المكونات البريطانية في SCALP، النسخة الفرنسية من Storm Shadow، وكلاهما يستخدم تكنولوجيا مشتركة فرنسية بريطانية. الهدف المعلن إنشاء خطوط تجميع في أوكرانيا بالتعاون مع فرنسا. هذه الدقة مهمة: نطاق المعلومات والملكية الصناعية ودور كل شريك تحدد مقدار التحول الفعلي، ولا تكشف البيانات العامة كل التفاصيل لأسباب أمنية.
تربط الحكومة الخطوة بمسار بدأ عندما كانت بريطانيا أول دولة تزود أوكرانيا بسلاح ضرب بعيد المدى عام 2023، وبمشروع Brakestop لتطوير أسلحة بعيدة المدى أقل كلفة. كما أعلنت في الزيارة شراكة ذكاء اصطناعي تتيح لبريطانيا الوصول إلى بيانات ميدانية أوكرانية لتطوير أدوات دفاعية. الصورة الأوسع هي انتقال العلاقة من مانح ومتلقي إلى إنتاج مشترك وتبادل بيانات وخبرة؛ وهذا هو سبب حساسية موسكو.
لماذا يختلف نقل المعرفة عن تسليم الصواريخ؟
الذخيرة المسلمة تنفد ويمكن ضبط عددها وشروط استخدامها، أما خط التجميع فيمنح أوكرانيا قدرة أكثر استدامة على التعويض والإنتاج، ولو بقي معتمداً على مكونات خارجية. وهو يوزع الصناعة العسكرية بعيداً من المصانع الأوروبية ويقصر بعض سلاسل الإمداد. بالنسبة إلى كييف، يتعلق الأمر بالسيادة والقدرة على خوض حرب طويلة؛ وبالنسبة إلى موسكو، هو هدف عسكري جديد ومحاولة لتقليل أثر ضرب مخزونات الأسلحة الغربية.
لكن إعلان الخط لا يساوي إنتاجاً فورياً. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن الصواريخ المحلية لن تكون جاهزة قبل 2027 بحسب التوقعات المتاحة، فيما تحتاج أوكرانيا الآن إلى دفاعات جوية واعتراضات لصواريخ باليستية. لذلك تحمل الخطوة قيمة استراتيجية وإشارية أكثر من أثر ميداني عاجل. وقد تكون لندن تريد طمأنة كييف وردع موسكو وإقناع الحلفاء بتقاسم التكنولوجيا، حتى قبل خروج أول صاروخ من خط التجميع.
ماذا هددت موسكو فعلياً؟
قال بيسكوف إن بريطانيا طرف في الحرب إلى جانب كييف وإن قوات روسيا تجمع بيانات لتحديد مواقع إنتاج الصواريخ وغيرها من المعدات وتدميرها. التهديد واضح تجاه المصنع أو خط التجميع على الأراضي الأوكرانية، وهو في منطق موسكو هدف عسكري. لا يحتوي التصريح المنشور على تهديد محدد بضرب الأراضي البريطانية، ومن المهم ألا تُضاف إليه نتيجة لم يقلها. لكن عبارة «عواقب» أو اتهام لندن بالمشاركة يرفعان مساحة الغموض المتعمد.
من جهة أخرى، لا يجعل وجود تكنولوجيا بريطانية المنشأة الأوكرانية محصنة، ولا يحول كل ضربة عليها إلى اعتداء على بريطانيا. الخطر يرتفع إذا وُجد موظفون بريطانيون أو فرنسيون في الموقع، أو إذا امتدت الضربة إلى منشأة خارج أوكرانيا، أو إذا ردت روسيا على البنية الداعمة بعملية سرية في أوروبا. لذلك يجب الفصل بين هدف معلن في ساحة الحرب وبين سلّم أوسع يمكن أن يبدأ منه.
أين تقع عتبة الحرب المباشرة؟
تزويد دولة بسلاح ومعلومات لا يجعل المورّد قانوناً طرفاً مقاتلاً تلقائياً، ما دام لا يسيطر على اختيار الهدف أو تنفيذ الضربة. بريطانيا وحلفاؤها يستندون إلى حق أوكرانيا في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. أما موسكو فتستخدم مفهوم المشاركة لتوسيع الردع السياسي. المسافة بين الروايتين تسمح لكل طرف بالتصعيد تحت عتبة القتال المباشر، لكنها تجعل الخط الفاصل موضوع نزاع لا قاعدة متفقاً عليها.
تقترب العتبة إذا شارك عسكريون بريطانيون في تشغيل الصاروخ أو اختيار الأهداف، أو قُتلوا بضربة روسية، أو أصابت روسيا عمداً أراضي عضو في حلف شمال الأطلسي. وحتى عندئذ لا تعمل المادة الخامسة كزر آلي يطلق حرباً؛ يتشاور الحلفاء ويقرر كل منهم الإجراء الذي يراه لازماً. هذه المرونة تساعد على احتواء الحوادث، لكنها لا تلغي ضغط الرأي العام وسوء الفهم في الساعات الأولى.
العلاقة كانت عدائية قبل هذه الجولة
تأتي الأزمة فوق سنوات من العقوبات وطرد الدبلوماسيين واتهامات التجسس والاغتيال والهجمات السيبرانية، ثم دعم بريطاني واسع لأوكرانيا. تقول الحكومة إن التزامها منذ الغزو الشامل يستند إلى «شراكة المئة عام»، وإن إجمالي التمويل الملتزم به بلغ 25 مليار جنيه إسترليني، منها 16 ملياراً للمساعدة العسكرية و5.6 مليارات للدعم غير العسكري. لذلك لا تبدأ مرحلة الخصومة من قرار SCALP؛ القرار يرفع درجة اندماجها الصناعي والتقني.
كما أن لندن تقود مع باريس «تحالف الراغبين»، وتضغط لزيادة الدفاع الجوي والعقوبات على الصناعة العسكرية الروسية والأسطول الموازي. ترى بريطانيا أمن أوكرانيا جزءاً من أمن أوروبا، بينما تريد روسيا إظهار أن كل خطوة غربية تزيد كلفة الحرب وتبعد التسوية. لا توجد قناة سياسية دافئة يمكنها امتصاص الصدمة؛ ولهذا تصبح الاتصالات العسكرية والاستخبارية وقنوات منع الحوادث أكثر أهمية من العلاقات الدبلوماسية العامة.
ثلاثة مسارات محتملة خلال العام المقبل
في مسار الاحتواء، يتقدم خط التجميع ببطء، وتضرب روسيا أهدافاً أوكرانية من دون إصابة خبراء أجانب، وتستمر الحرب الهجينة تحت مستوى يفرض رداً معلناً. وفي مسار التصعيد المنضبط، تتكرر الضربات على الصناعة وتتوسع العقوبات والهجمات السيبرانية، لكن الطرفين يحافظان على حدود جغرافية واضحة. أما المسار الأخطر فيبدأ بحادث يقتل بريطانيين أو عملية موثقة على الأرض البريطانية، ثم ضغط للرد يتجاوز العقوبات والدعم غير المباشر.
احتمال كل مسار لا يمكن حسابه من التصريحات وحدها، لكن السياسات تستطيع ترجيحه. توزيع مواقع الإنتاج، وتقليل الوجود الأجنبي قرب الأهداف، وتعزيز الدفاع الجوي، وحماية المتعاقدين، وقنوات اتصال طارئة تقلل احتمال المسار الثالث. وفي المقابل، الغموض المتعمد حول الأدوار قد يخدم الردع لفترة لكنه يرفع خطر سوء التفسير. إدارة التصعيد ليست تراجعاً عن دعم أوكرانيا؛ إنها تصميم الدعم بحيث يحقق غرضه من دون انزلاق غير مقصود.
الجبهة الأخطر قد تكون هجينة لا صاروخية
الرد الأقل كلفة لموسكو ليس بالضرورة ضربة معلنة على بريطانيا. يمكن أن يظهر في التجسس الصناعي، واختراق سلسلة توريد، وهجوم سيبراني، وتخريب منسوب إلى وكلاء، وتشويش على الملاحة، أو حملة معلومات تستهدف الدعم الشعبي. حذرت أجهزة غربية مراراً من اهتمام الاستخبارات العسكرية الروسية بالمنظمات اللوجستية والتكنولوجية التي تدعم أوكرانيا. وكلما اتسعت شبكة الإنتاج المشترك اتسع سطح الهجوم والحاجة إلى حماية الشركات الصغيرة والمتعاقدين.
هذه الساحة خطرة لأنها تجمع الأثر العالي والإنكار. انقطاع أو حريق قد يبدو حادثاً، بينما يتعامل الأمن معه كعمل عدائي؛ ورد متسرع على نسبة غير مؤكدة قد يصعد الأزمة. لذلك تحتاج لندن إلى معايير علنية قدر الإمكان لنسبة الهجمات، وتبادل أدلة مع الحلفاء، وخطط استمرار أعمال للمصانع والموانئ والطاقة والاتصالات. الردع الهجين يبنى بالمرونة وكشف الشبكة، لا بالوعيد وحده.
لماذا تصعّد لندن الآن؟
اختيار برنهام أوكرانيا لرحلته الأولى يثبت الاستمرارية بعد تغير القيادة البريطانية، ويمنع موسكو من اختبار حكومة جديدة. كما أن نقل بعض الإنتاج إلى أوكرانيا يخفف ضغط المخزونات الأوروبية على المدى المتوسط ويحوّل خبرة ساحة القتال إلى دورة تصميم أسرع. داخلياً، تستطيع الحكومة ربط أمن أوكرانيا بأمن البنية البريطانية وبوظائف التقنية والدفاع، وهو ما ظهر في شراكة الذكاء الاصطناعي المعلنة في اليوم نفسه.
لكن التصعيد يحمل كلفة. مشاركة معلومات سرية تزيد متطلبات حماية الملكية والتوريد، وقد تعرض شركات بريطانية لهجمات أو خلافات حول الاستخدام النهائي. كما أن إنتاج قدرة ضرب بعيدة لا يعوض نقص صواريخ الاعتراض التي تحمي المدنيين الآن. النجاح البريطاني يتطلب توازناً بين الهجوم والدفاع، وبين رسالة الصمود وترك باب لتفاوض لا يكافئ العدوان.
ولماذا ترفع موسكو نبرة التهديد؟
تهدف موسكو أولاً إلى ردع الشركات والمهندسين والممولين، لا الحكومات وحدها. إذا اعتقدت شركة تأمين أو مورد أن منشأته أو موظفيه هدف محتمل، قد ينسحب من دون قرار سياسي. وثانياً تريد روسيا تثبيت رواية أن بريطانيا تعطل السلام، وتحميلها مسؤولية استمرار الحرب أمام جمهور دولي. وثالثاً، إعلان جمع المعلومات عن مواقع الإنتاج يرسل إنذاراً عملياتياً لأوكرانيا كي تنفق أكثر على التشتت والحماية.
لكن التهديد المبالغ فيه قد يعطي لندن النتيجة المعاكسة، إذ يسمح لها بتقديم القرار كرفض للابتزاز ويشد صف الحلفاء. وقد رد برنهام بسؤال من بدأ الحرب، محولاً النقاش من نوع السلاح إلى أصل الغزو. هنا تتحول اللغة إلى منافسة على الشرعية: موسكو تريد أن يكون موضوع الخبر «التصعيد البريطاني»، ولندن تريد أن يبقى «الدفاع الأوكراني».
ثلاثة مؤشرات تحدد إن كانت المرحلة أصبحت أخطر
المؤشر الأول تشغيلي: بدء إنتاج فعلي ووجود خبراء أجانب قرب المواقع، لأن ذلك يزيد احتمال إصابة مواطنين بريطانيين أو فرنسيين. الثاني جغرافي: انتقال الرد الروسي من أهداف داخل أوكرانيا إلى بنية أو أفراد في دولة عضو في الحلف. والثالث هجين: سلسلة عمليات تخريب أو سيبرانية موثقة ضد شركات بريطانية مع قرار رسمي بنسبتها والرد عليها. تحقق واحد منها يرفع الخطر؛ اجتماعها يغير طبيعة الأزمة.
ويجب متابعة قنوات الاحتواء أيضاً: اتصالات عسكرية، وإخطار الحلفاء، وتوزيع مواقع الإنتاج، وحدود دور الموظفين الأجانب، وسياسة الاستخدام النهائي للصواريخ، وآلية التعامل مع حادث على أرض الحلف. غياب البيانات العامة مفهوم أمنياً، لكنه يزيد أهمية الانضباط داخل الحكومات والتنسيق المسبق بين العواصم. أخطر لحظة ليست البيان الناري، بل حادث يظن كل طرف أن الآخر سيتراجع عنه ثم يكتشف العكس.
نعم، تدخل العلاقات البريطانية الروسية مرحلة أكثر خطورة من حيث نوع المشاركة: لندن تنتقل من تسليم سلاح إلى تمكين قدرة إنتاجية وتبادل بيانات، وموسكو تعلن نيتها تدمير مواقع الإنتاج. لكن لا دليل في التصريحات الحالية على قرار روسي بضرب بريطانيا أو على دخول البلدين حرباً مباشرة؛ التهديد المحدد ما زال موجهاً إلى منشآت داخل أوكرانيا.
المسافة بين الحالتين هي مساحة إدارة التصعيد. ستتحدد المرحلة المقبلة بوجود خبراء أجانب، ومكان الرد الروسي، ونمط العمليات الهجينة، وقدرة الحلفاء على حماية سلاسل التوريد ومنع الخطأ في الحساب. الخطاب مرتفع الآن؛ والخطر يصبح نوعياً عندما يعبر الأفراد أو الضربات أو التخريب حدود ساحة الحرب.
اقرأ أيضاً: حاملة «برنس أوف ويلز» شمالاً: لماذا الآن؟ وما الرسالة لروسيا؟
قد يعجبك ايضاً
ما هي المدارس الثانوية الأكثر طلباً في كامدن بلندن؟
بريطانيا تعيد صياغة نظام اللجوء والحماية.. ماذا يتغير للاجئين وأسرهم؟
1520 مقعداً شاغراً في مدارس لندن.. ومقترحات بالإغلاق!
«ساب واي» توسع حضورها في بريطانيا.. ما خطتها الجديدة لمنافسة «جريجز»؟
كل ما نعرفه عن ارتفاع ضريبة المجلس المحلي Council tax في Hammersmith & Fulham
356 ألف عربي في بريطانيا.. أين يعيشون فعلياً؟
بعد غرامات الصرف الصحي.. South West Water تراهن على استثمار جديد
وجبات المدرسة المجانية توسعت.. هل أصبح طفلك مؤهلاً دون أن تعرف؟
حمى كأس الاتحاد الإنجليزي تشتعل في ذا رابل.. حلم يتجاوز الملعب
