طغى الذكاء الاصطناعي على مجمل حياة الناس، وحتى باتت بعض المهن مهددة بالانقراض بسببه. إلا أن من أخطر أنواع الطغيان له هو تغلغله في البنية المالية للدول، دون التطرق إلى تأثيراته السلبية عليها. لكن مع ظهور نموذج “ميثوس Mythos” الذي طورته شركة أنثروبيك Anthropic، أصبح حديث صناع القرار في البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية حول تأثيراته.
فبحسب ما يتم تداوله في تقارير تقنية ومالية، يمتلك هذا النموذج قدرات متقدمة في تحليل الأنظمة البرمجية واكتشاف الثغرات الأمنية، وهو ما أثار حالة من القلق داخل مؤسسات مالية وتنظيمية كبرى، خاصة مع صعوبة التنبؤ بحدود استخدامه أو إساءة استغلاله.
قلق متصاعد داخل المؤسسات المالية وصناع القرار
بدأت المخاوف تتسع بعد مناقشة النموذج في اجتماعات صندوق النقد الدولي (IMF)، حيث أشار وزير المالية الكندي فرانسوا فيليب شامبين François-Philippe Champagne إلى أن النموذج يمثل تحدياً غير تقليدي، موضحاً أن خطورته لا تكمن فقط في قدراته، بل في عدم وضوح حدوده حتى الآن.
وقال شامبين إن ما يثير القلق هو أن التعامل مع هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يشبه مواجهة مجهول غير معروف بحسب تعبيره، وأضاف أن وزراء المالية أصبحوا ينظرون إليه كمسألة تستدعي اهتماماً جماعياً وليس مجرد تطور تقني عابر.
وشاركه هذا الرأي محافظ بنك إنجلترا Andrew Bailey الذي أكد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه التطورات، موضحاً أن قدرة الذكاء الاصطناعي على كشف الثغرات في الأنظمة المالية قد تؤدي إلى زيادة مخاطر الجرائم الإلكترونية، في حال استخدام هذه القدرات من قبل جهات غير شرعية.
كما أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنها أثارت هذه القضية مع عدد من البنوك الكبرى، ودعت إلى إجراء اختبارات أمنية مسبقة على الأنظمة المالية قبل أي انتشار واسع لهذه التقنيات.
أما في مجال القطاع المصرفي، فقد أشار الرئيس التنفيذي لبنك باركليز سي. إس. فينكاتاكريشنان C.S. Venkatakrishnan إلى أن مستوى الخطورة المحتمل للنموذج يستدعي التعامل معه بجدية، خصوصاً في ظل الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية في العمليات المالية الحساسة.
تقييم الخبراء بين التحذير والتقليل من المخاطر
تبقى المخاوف السابقة رهينة المدراء والمسؤولين. حيث جاءت آراء الخبراء متباينة. فقد حصل معهد أمن الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة (AISI) على نسخة تجريبية من النموذج، وأصدر تقريراً مستقلاً أشار فيه إلى أن “ميثوس” قادر على اكتشاف ثغرات أمنية في بيئات ضعيفة الحماية، لكنه لا يتفوق بشكل كبير على النماذج السابقة مثل “أوبوس 4 (Opus 4)”.
ويرى الباحث في الأمن السيبراني بجامعة جورجيا للتكنولوجيا بيتر سوير Peter Swire أن جزءاً من الضجة المثارة حول النموذج قد يكون مبالغاً فيها، موضحاً أن ما نشهده هو تطور تدريجي في قدرات الذكاء الاصطناعي وليس تحولاً مفاجئاً يهدد الأنظمة القائمة بشكل مباشر.
أما كيران مارتن Kieran Martin الأستاذ في جامعة أكسفورد والرئيس التنفيذي السابق للمركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة (NCSC) فيرى أن النموذج يمثل تطوراً مهماً بالفعل، لكنه لا يعني بالضرورة سيناريوهات كارثية، وأشار إلى أن البيئات الواقعية أكثر تعقيداً بكثير من البيئات التجريبية التي يتم فيها اختبار هذه النماذج.
بينما يرى المستثمر في قطاع الذكاء الاصطناعي جيمس وايز James Wise من شركة بالديترون كابيتال Balderton Capital أن هذه النماذج تمثل بداية مرحلة جديدة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكشف نقاط ضعف لم تكن واضحة سابقاً، وهو ما يجعل تأثيره مزدوجاً بين تعزيز الأمن وفتح باب مخاطر جديدة في الوقت نفسه.
باختصار، يسابق الذكاء الاصطناعي عقول البشر في التطور والوعي. فمن خلال نموذج ميثوس يمكن القول أننا في مرحلة انتقالية حساسة في علاقة الذكاء الاصطناعي بالبنية المالية العالمية. فعلى الرغم من التحذيرات الصادرة عن مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية، وآراء متحفظة من خبراء الأمن السيبراني، يبقى الاتفاق الوحيد أن هذه التقنيات تجاوزت حدود المساعدة، لتصبح مؤثرة في الأنظمة المالية واستقرارها. بينما يبقى التحدي الأكبر في القدرة على مجاراة تطور الذكاء الاصطناعي وليس إيقافه.
اقرأ أيضاً: بنك إنجلترا يدق ناقوس الخطر: كيف تهدد حرب إيران الاستقرار المالي البريطاني؟