هل تدخل بريطانيا مرحلة أشد صرامة في حماية النساء في الفضاء العام؟
تابعونا على:

القوانين

هل تدخل بريطانيا مرحلة أشد صرامة في حماية النساء في الفضاء العام؟

نشر

في

638 مشاهدة

هل تدخل بريطانيا مرحلة أشد صرامة في حماية النساء في الفضاء العام؟

القانون لا يغيّر الشارع وحده، لكنه يقول شيئاً مهماً عن الدولة حين تقرر أخيراً أن ما كان يُدفع طويلاً إلى خانة الإزعاج اليومي أو السلوك المزعج يمكن أن يُقرأ بوصفه اعتداءً على الأمان، وعلى حرية الحركة، وعلى الحق العادي في المرور من مكان إلى مكان بلا خوف. هذا هو المعنى الأول لدخول القانون البريطاني الجديد حيز التنفيذ في 1 أبريل 2026 لمكافحة التحرش القائم على الجنس في الأماكن العامة.

والمعنى الثاني أكثر حذراً، لأن النص وحده لا يكفي، ولأن الفضاء العام لا يتغير بقرار تشريعي إذا بقيت آليات الإنفاذ بطيئة، والبلاغات منخفضة، والتعامل مع الوقائع اليومية على أنه مجرد ضجيج عابر.

حماية النساء

وفق الإطار الذي دخل حيز التنفيذ هذا الأسبوع في إنجلترا وويلز، لم تذهب بريطانيا إلى اختراع جريمة مستقلة بالكامل بقدر ما شددت التعامل مع سلوك موجود أصلاً في قانون النظام العام. القانون الجديد يبني على جريمة التسبب المتعمد في المضايقة أو الذعر أو الضيق، ثم يرفعها إلى مستوى أشد عندما يثبت أن السلوك وقع بسبب جنس الضحية أو جنسها المفترض. هذا التفصيل مهم، لأنه يكشف أن الرسالة الحكومية ليست فقط معاقبة فعل بعينه، بل الاعتراف بأن جزءاً من المضايقات في الفضاء العام ليس عرضياً، بل موجّه ضد النساء تحديداً، أو ضد من يُنظر إليهن على أنهن نساء.

الصرامة هنا ليست رمزية فقط. الحد الأقصى للعقوبة يرتفع إلى سنتين من السجن بدل ستة أشهر في الجريمة الأساسية، كما أن الشرطة مطالبة بأن تولي الإرشادات الحكومية الواجبة اعتباراً فعلياً في طريقة الفهم والتوثيق والإحالة إلى الدعم. لكن هذه الصرامة تبقى مشروطة. لا يكفي أن يكون السلوك مزعجاً أو فظاً، بل يجب أن يثبت القصد في إحداث المضايقة أو الضيق، وأن يكون هناك أثر فعلي على الضحية، وأن يكون الدافع المرتبط بالجنس جزءاً من تفسير الواقعة.

ما الذي تغيّر فعلاً

هذا هو السؤال الذي يحدد ما إذا كانت بريطانيا تدخل فعلاً مرحلة أشد صرامة أم تكتفي بتعديل لغوي مهم. الإرشادات المنشورة للشرطة تعطي أمثلة واضحة على السلوك الذي قد يقع ضمن هذا الباب، مثل التعليقات الجنسية أو العدوانية المتكررة، واعتراض طريق شخص ومنعه من مواصلة حركته، والاقتراب الجسدي المهدد، والترهيب الجماعي المتعمد. وهي أمثلة قريبة جداً من الخبرة اليومية التي تشتكي منها نساء كثيرات منذ سنوات، لا من الجرائم الكبرى فقط. هنا بالضبط تكمن قيمة القانون، لأنه ينقل مساحة كاملة من التجارب من منطقة التهوين الاجتماعي إلى منطقة الاعتراف الجنائي.

لكن من الخطأ أيضاً المبالغة، فالقانون نفسه لا يجرّم كل سلوك غير مريح، ولا يعد عصاً سحرية ضد ثقافة مترسخة. الحكومة تقول صراحة إنه لا يخلق سلوكاً جديداً محظوراً بقدر ما يشدد العقوبة عندما يكون السبب مرتبطاً بالجنس. وهذا يعني أن بعض الوقائع ستظل تدور حول صعوبة الإثبات، أو حول سؤال النية، أو حول اختيار التكييف القانوني الأنسب، خاصة حين تتحول الواقعة إلى سلوك متكرر قد يدخل في باب الملاحقة أو التحرش المستمر أو العنف داخل العلاقات الشخصية.

الاختبار يبدأ من هنا

بطبيعة الحال، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد النص، إذا كانت حماية النساء في الفضاء العام ستصبح فعلاً أكثر صرامة، فذلك سيتوقف على ما إذا كانت الشرطة ستتعامل مع البلاغات بوصفها وقائع تستحق المتابعة لا مجرد مشادات يومية، وعلى ما إذا كانت الضحايا سيشعرن بأن الإبلاغ مجدٍ، وعلى قدرة الادعاء والمحاكم على تحويل الإطار الجديد إلى سوابق عملية واضحة. هذه النقطة ليست تقنية. هي جوهر المسألة كلها.

والسبب بسيط، بريطانيا نفسها تتعامل مع ملف العنف ضد النساء والفتيات على أنه أزمة واسعة، لا حادثة قطاعية. مكتبة مجلس العموم أعادت التذكير في 2025 بأن المجلس الوطني لقادة الشرطة وصف العنف ضد النساء والفتيات بأنه حالة طوارئ وطنية، وأن هذا النوع من الجرائم يشكل ما يقارب خُمس الجريمة المسجلة.

وإذا كان هذا هو حجم الخلفية، فإن القانون الجديد يبدو خطوة ضمن مسار أوسع، لا نهاية المسار. أي أنه يضيف أداة مهمة، لكنه لا يعفي الدولة من فجوات أقدم تتعلق بسرعة التحقيق، وتماسك الخدمات، وفهم الضباط للسياق الجندري للواقعة.

الشارع أوسع من المحكمة

لهذا لا تبدو الصرامة القانونية وحدها كافية. في الأسبوع نفسه تقريباً، دفعت الحكومة باتجاه آخر موازٍ يتعلق بتصميم الشوارع ووسائل النقل من منظور سلامة النساء. الأرقام التي استندت إليها الجهات الحكومية صريحة، إذ قالت إن 88 بالمئة من النساء شعرن بعدم الأمان أثناء المشي ليلاً، وإن 71 بالمئة غيرن مساراتهن لتجنب العتمة.

وهذه الأرقام لا تتحدث عن الجريمة فقط، بل عن أثرها الاجتماعي قبل وقوعها، أي عن إعادة تشكيل السلوك اليومي للنساء بسبب توقع الخطر.

من هنا تبدو المرحلة الجديدة أكثر جدية فعلاً، لكن ليس لأن بريطانيا شددت العقوبة فحسب، بل لأنها بدأت تربط بين القانون والتخطيط الحضري والنقل والتدريب والدعم. هذا الربط هو ما يمنح فكرة حماية النساء معنى عملياً. فالمرأة لا تختبر القانون في نصه، بل تختبره في الطريق إلى الحافلة، وفي محطة القطار، وفي استجابة الشرطي الأول، وفي قرارها إن كانت ستبلغ أصلاً أو تواصل السير صامتة.

صرامة حقيقية أم ناقصة

الإجابة الأقرب إلى الدقة هي نعم، تدخل بريطانيا مرحلة أشد صرامة، لكن هذه الصرامة ما تزال في بدايتها. الجديد هذه المرة أن الدولة قررت أن تعطي اسماً أوضح لمشكلة معروفة، وأن ترفع كلفة بعض الأفعال، وأن تقول للمؤسسات الأمنية إن التحرش القائم على الجنس في الفضاء العام ليس هامشاً. وهذا تطور مهم، لكنه يصبح أقوى فقط إذا خرج من الورق إلى الممارسة، وإذا تحوّل من ردع بعد الواقعة إلى تقليص للمخاطر قبلها.

لذلك قد يكون السؤال الأدق ليس إن كانت بريطانيا صارت أكثر صرامة، بل إن كانت ستنجح في جعل هذه الصرامة محسوسة في الشارع، وعند تلك النقطة فقط يمكن القول إن حماية النساء لم تعد شعاراً سياسياً جيداً، بل سياسة عامة تمشي على الأرض…

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة في بريطانيا.. لماذا تفشل النساء في تحقيق حلم الأمومة؟

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعمال13 ساعة منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضة14 ساعة منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندنيومين منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعماليومين منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسةيومين منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟

الذكاء الاصطناعي يقترب من الخط الأحمر.. هل بدأ يفلت من السيطرة؟
علوم وتكنولوجيايومين منذ

الذكاء الاصطناعي يقترب من الخط الأحمر.. هل بدأ يفلت من السيطرة؟

ميزانية بريطانية صعبة تقترب وسط ضغوط الحرب والتضخم
سياسة3 أيام منذ

ميزانية بريطانية صعبة تقترب وسط ضغوط الحرب والتضخم

أزمة السندات تقترب من جيب البريطانيين.. هل ترتفع كلفة الرهن العقاري من جديد؟
مال وأعمال3 أيام منذ

أزمة السندات تقترب من جيب البريطانيين.. هل ترتفع كلفة الرهن العقاري من جديد؟

بريطانيا تعاني نقص الماء وهي تفقد نهراً تحت الأرض!
سياسة3 أيام منذ

بريطانيا تعاني نقص الماء وهي تفقد نهراً تحت الأرض!

بريطانيا تحذر الأسر من اضطرابات الغذاء وتدعو لتخزين المؤن
أخبار لندن3 أيام منذ

بريطانيا تحذر الأسر من اضطرابات الغذاء وتدعو لتخزين المؤن
















X