فتىً يتسلق فوهة بركان ويلقى حتفه في سبيل المشاهدات والشهرة، وآخرون يقودون السيارات عكس اتجاه السير ويستفزون الشرطة لمطاردتهم، بحثاً عن لحظة مثيرة تتحول إلى محتوى رقمي يحصد الإعجابات، هذا المشهد العام يصور باختصار ما وصل إليه المراهقون من مخاطرة بالأرواح سعياً للانتشار.
يبدو أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر خطورةً من أي وقت مضى، فهي تنتشر بشكل مريب وتحصد الأرواح، لدرجة أن العقل يغيب عن التفكير بتبعات هذه السلوكيات الخطيرة، مما يضع عدة علامات استفهام حول دور المجتمع والجهات المعنية في تضييق مساحة هكذا ممارسات.
القيادة المتهورة يمكن وصفها بأنها ظاهرة عالمية ليست جديدةً وتتزايد يوماً بعد يوم، حيث تتخذ أشكالاً حديثةً لتكون قابلةً للانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكننا لسنا بصدد مناقشة هذا المفهوم الواسع، حيث سنقف عند سلوك أثار جدلاً واسعاً ضمن المملكة المتحدة، وهو القيادة عكس اتجاه السير في بريطانيا.
وفي الوقت الذي أوضحت فيه منصة تيك توك (TikTok) أنها تحظر مثل هذا النوع من الفيديوهات، تتحدث دراسات عن دور العوامل البيئية والاجتماعية في تعزيز هذه السلوكيات الخطيرة.
تريند القيادة عكس اتجاه السير في بريطانيا
أعاد حادث طريق A66 قضية القيادة عكس اتجاه السير في بريطانيا من أجل المشاهدات إلى واجهة الجدل مجدداً، وسط مخاوف من انتشار محتوى يمجّد القيادة الخطرة على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما في منصة تيك توك التي تعرضت لانتقادات حادة ومطالبات بريطانية رسمية لحذف المحتوى الذي يحتفي بالقيادة المتهورة.
لا يوجد دليل حتى الآن يثبت ارتباط الحادث الذي أدى إلى 7 قتلى بتريند أو تحدٍّ على تيك توك، وقد أوضحت الجهات المسؤولة أن المطاردة بدأت بعد الاشتباه بارتباط السيارة بأنشطة إجرامية، وسارت بعد ذلك في الاتجاه المعاكس للسير.
وفي المقابل، كان أحد ضحايا التصادم قد نشر سابقاً مقطع فيديو يظهر فيه وهو يقود بتهور ونشره على الإنترنت، وهذا ما زاد من حدة الجدل حول انتشار محتوى القيادة الخطيرة وتمجيدها سواء بغرض المكافآت المالية أو الاجتماعية.
وتأتي هذه الحادثة بعد التصادم الذي أودى بحياة 5 مراهقين في إيرلندا، في حادث مشابه، حيث كانت السيارة تسير عكس السير على الطريق السريع M9 في مقاطعة كيلدير (County Kildare)، وأدى ذلك إلى الاصطدام بسيارة أخرى لعائلة تسير بالاتجاه الصحيح.
فيما أشارت تقارير إلى وجود مخاوف باحتمال ارتباط القيادة الخطرة بالمحتوى المنشور على تيك توك، وذلك في الوقت الذي يتزايد فيه سعي بعض الشباب إلى توثيق هذه السلوكيات ونشرها لجذب المشاهدات والإعجابات.
من المسؤول؟
الحادثة أثارت نقاشاً حول المسؤولية، لا سيما فيما يتعلق بعمل الوحدات الشرطية والعقوبات الرادعة والخدمات الاجتماعية، والأهم تنظيم منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تواصلت هيئة تنظيم الإعلام الإيرلندية كوميسيون نا ميان (Coimisiún na Meán) مع تيك توك للوقوف عند كيفية استجابتها مع مقاطع القيادة الخطرة، وما إذا كانت تتخذ إجراءات استباقية حول هذا المحتوى.
كما أن المشرعين الإيرلنديين استدعوا تيك توك لمناقشة سياسات التعامل مع مقاطع تمجّد القيادة الخطرة، فيما طُرحت اقتراحات لتعزيز تدريب الشرطة في هذه الحالات مع تشديد التعامل القانوني مع القيادة عكس اتجاه السير في بريطانيا.
في المقابل دافعت منصة تيك توك عن نفسها، مؤكدة أنها تقوم بحذف المحتوى الخطر، حيث أكدت أنها تراقب بشكل جدي المحتوى المتعلق بحادث M9، وتزيل الفيديوهات والحسابات التي تنتهك قواعدها، كما أشارت المنصة إلى أنها أزالت 99.1% من المحتوى المتعلق بالسلوك العنيف والإجرامي قبل الإبلاغ عنه.
عوامل اجتماعية رقمية ونفسية
إذاً، للإجابة عن تساؤل “من المسؤول؟” لا يمكن تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية وحدها، فهناك عدة دراسات تؤكد أن السلوكيات الخطرة لدى الشباب تتعلق بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية، منها البحث عن الإثارة والاعتراف من الأقران، وتأثير المحتوى الرقمي وإمكانية تقليده.
دراسة بعنوان “تصورات وتجارب السائقين الشباب الذكور مع مقاطع يوتيوب التي تعرض سلوكيات القيادة الخطرة” (Young male drivers’ perceptions of and experiences with YouTube videos of risky driving behaviours) منشورة في عام 2018، خلصت إلى أن هناك عوامل بيئية واجتماعية ورقمية مرتبطة بسلوكيات القيادة الخطرة، مثل البحث عن الإثارة وضغط الأقران، إلى جانب الحوافز المالية التي يجنيها الفرد من ارتفاع عدد المشاهدات، كما أكد عدد من المشاركين تقليدهم حركات قيادة خطرة شاهدوها في مقاطع الفيديو.
وفقاً لما سبق، يبدو أن القيادة عكس اتجاه السير في بريطانيا، بدأت تأخذ منحى رقمياً خطيراً، في ظل البحث عن المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الوقت الذي تؤكد فيه تيك توك حذفها للمقاطع المنتهكة لقواعدها، تتحدث دراسات حول العوامل الاجتماعية والنفسية والرقمية التي لها دور كبير في تقليد مثل هذه السلوكيات، وهذا يعني أن المعالجة يجب أن تكون على نطاق أوسع وزيادة الوعي بين الشباب وتعزيز دور الأسرة والمجتمع والجهات المعنية.
اقرأ أيضاً: تيك توك وبريطانيا.. كسر النقابات يطارد مشرفي المحتوى!