تسعى الحكومة البريطانية إلى التحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. لكن هذا التحول بدأ يدور حوله نقاشات لا تهدأ حول فواتير الطاقة. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تساهم في تحقيق الاستدامة البيئية وضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، إلا أن بعض الخبراء يحذرون من أن تكاليف هذا التحول قد تنعكس بشكل مباشر على المستهلكين، سواء من خلال الرسوم المفروضة على الفواتير أو من خلال آليات دعم مشاريع الطاقة المتجددة.
فبحسب تقرير صادر عن مركز الأبحاث Onward، من المتوقع أن تسهم الإعانات المخصصة لمزارع الرياح الجديدة في زيادة فواتير الكهرباء المنزلية بنحو 70 جنيه إسترليني سنوياً بحلول عام 2030. وتعتمد هذه الإعانات على نظام يعرف باسم عقود الفروقات (CFDs)، وهو آلية دعم تضمن سعراً ثابتاً للكهرباء المنتجة من مصادر متجددة. وتضيف هذه العقود حالياً نحو 30 جنيه إسترليني سنوياً إلى فاتورة الكهرباء المنزلية، لكن من المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم تقريباً بحلول نهاية العقد.
ويشير التقرير إلى أن هذه الإعانات قد تضيف نحو 6 مليارات جنيه إسترليني إلى إجمالي فواتير الطاقة في المملكة المتحدة. كما أن نظام الدعم السابق للطاقة المتجددة، المعروف باسم التزام الطاقة المتجددة والذي تم إيقافه عام 2017، لا يزال يضيف نحو 8 مليارات جنيه إسترليني إلى الفواتير هذا العام، مع توقع انخفاضه تدريجياً إلى نحو 7 مليارات جنيه بحلول عام 2030.
وتوضح الدراسة، التي تتناول تكلفة التحول إلى الطاقة منخفضة الكربون بحلول عام 2030، أن فواتير الكهرباء لا تعكس فقط تكلفة الطاقة نفسها، بل تتضمن مجموعة واسعة من الرسوم والضرائب. وتشمل هذه الرسوم تكاليف الشبكات، ودعم تقنيات الطاقة المتجددة، ورسوم العدادات الذكية، وبرامج تحسين كفاءة الطاقة في المنازل، إضافة إلى تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل محطات الطاقة النووية.
وبحسب تحليل الفواتير المنزلية، فإن تكلفة الكهرباء نفسها لا تمثل سوى نحو 34% من إجمالي الفاتورة. فعلى سبيل المثال، في فاتورة كهرباء سنوية متوسطة تبلغ 963 جنيه إسترليني، تبلغ تكلفة الكهرباء الفعلية نحو 324 جنيه فقط، بينما تذهب نحو 200 جنيه إلى تكاليف شبكة النقل والتوزيع، وتضيف الضرائب ورسوم الكربون ودعم الطاقة المتجددة ما يقارب 300 جنيه أخرى.
كما أظهرت البيانات الحكومية أن ستة من الرسوم الرئيسية المرتبطة بسياسات الطاقة ستضيف نحو 14 مليار جنيه إسترليني إلى الفواتير هذا العام، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ما يقرب من 19 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2030.
ويحذر التقرير من أن نمو هذه الرسوم جاء أسرع من انخفاض أسعار الطاقة في سوق الجملة، وهو ما أدى إلى استمرار ارتفاع الفواتير رغم تراجع تكاليف الإنتاج في بعض الفترات. كما أشار إلى أن تعدد الرسوم وتعقيدها يجعل من الصعب على المستهلكين فهم مكونات فاتورة الطاقة بشكل واضح.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير أسعار الطاقة المرتفعة على الأسر والشركات في المملكة المتحدة. فقد أظهرت الأرقام الحكومية أن أسعار الكهرباء الصناعية والتجارية في البلاد تعد من بين الأعلى عالمياً، كما تضاعفت ديون الطاقة المنزلية أربع مرات منذ عام 2021 لتصل إلى نحو 5.5 مليار جنيه إسترليني.
ومع ارتفاع الأسعار، اضطر العديد من المستهلكين والشركات إلى خفض استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ. ويرى معدو التقرير أن هذا التراجع في الاستهلاك قد يكون مؤشرًا على تباطؤ النشاط الاقتصادي، خصوصًا أن المملكة المتحدة خفضت استهلاك الطاقة للفرد وإنتاج الكهرباء أكثر من أي دولة أخرى في مجموعة العشرين.
من جهته، قال مدير مؤسسة Onward والنائب المحافظ السابق سير سيمون كلارك Simon Clarke إن التقرير يوضح أن الأسر والشركات في بريطانيا تتحمل تكاليف سياسات طاقة تتجاوز الواقع الاقتصادي، وحذر من أن الأزمة قد تتفاقم إذا لم تتم مراجعة هذه السياسات.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن معالجة أزمة تكلفة الطاقة تمثل أولوية أساسية. وأوضح متحدث باسم وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني أن الحكومة نقلت في الميزانية الأخيرة نحو 150 جنيه إسترليني في المتوسط من فواتير الطاقة إلى الضرائب، في محاولة لتخفيف العبء عن المستهلكين، وأكد أن خطة التحول إلى الطاقة النظيفة بحلول عام 2030 تهدف في النهاية إلى حماية البلاد من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري.
وعلى المدى القصير، من المتوقع أن تنخفض فواتير الطاقة لملايين الأسر البريطانية بنسبة 6.7% اعتباراً من أبريل 2026، ما سيخفض متوسط الفاتورة السنوية للغاز والكهرباء إلى نحو 1641 جنيه إسترليني، بانخفاض يقارب 117 جنيه سنوياً. ويرجع هذا التراجع إلى تحديث سقف الأسعار الذي تحدده هيئة تنظيم الطاقة Ofgem وإزالة بعض الرسوم البيئية من الفواتير.
لكن المحللين يحذرون من أن هذا الانخفاض قد يكون مؤقتاً، إذ تشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع الفواتير مجدداً خلال الصيف. فقد توقع محللون في شركة Cornwall Insight أن يصل سقف الأسعار للفترة بين يوليو وسبتمبر إلى نحو 1801 جنيه إسترليني سنوياً للأسرة النموذجية، أي بزيادة تقارب 160 جنيه أو نحو 10% مقارنة بالسقف المعلن في أبريل.
في الختام، يبقى التحدي كبيراً أمام الحكومة البريطانية في تحقيق التوازن بين مساعيها نحو تحقيق الاستدامة، وقدرة المواكنين على تحمل تكاليف فواتير الطاقة. ومع استمرار التضخم التي تعاني منه بريطانيا، تزداد صعوبة تأقلم المواطنين مع القرارات الجديدة وتبعاتها.
اقرأ أيضاً: احتجاجات في اسكتلندا على تركيب أجزاء من مزرعة الرياح