لم يعد تغير المناخ في بريطانيا يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو ازدياد تواتر العواصف فحسب، بل يثير تساؤلات أعمق حول مستقبل المدن الساحلية ومدى ملاءمتها للعيش في العقود القادمة. ومع ارتفاع منسوب مياه البحر بوتيرة متسارعة، يحذر العلماء من أن أجزاءً كبيرة من سواحل بريطانيا قد تواجه مخاطر متزايدة، مما قد يستدعي إعادة تقييم المراكز السكانية وخطط التنمية الحضرية.
تحذيرات قد تستمر لقرون بسبب المناخ في بريطانيا
كشفت دراسة علمية حديثة أن ما يصل إلى 13 مليون شخص في بريطانيا قد يواجهون مخاطر طويلة الأمد للفيضانات الساحلية إذا استمرت آثار تغير المناخ وارتفاع منسوب مياه البحر. وقد تتضمن السيناريوهات الأكثر تشاؤماً نقل أعداد كبيرة من السكان من المناطق الساحلية التي ستصبح أكثر عرضة للفيضانات. ويؤكد الباحثون أن تأثير ارتفاع منسوب مياه البحر لن ينتهي بنهاية هذا القرن، بل سيستمر لقرون قادمة، نتيجةً لاستمرار ذوبان الصفائح الجليدية وارتفاع درجات حرارة المحيطات، حتى لو نجح العالم في خفض انبعاثات الكربون.
على مدار القرن الماضي، ارتفع منسوب مياه البحر على طول سواحل المملكة المتحدة بما يقارب 20 سم، ومن المتوقع أن يرتفع بمقدار 40-60 سم أخرى بحلول عام 2100. وهذا يعني زيادة كبيرة في عدد الأشخاص المعرضين لخطر الفيضانات الساحلية. ويقدر أن حوالي 2.5 مليون شخص يعيشون حالياً في مناطق معرضة لخطر الفيضانات الساحلية، وسينضم مئات الآلاف إلى هذه المجموعة في العقود القادمة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
اقرأ أيضاً: الأمن الغذائي في بريطانيا تحت ضغط المناخ.. ماذا يعني ذلك للجالية العربية؟
المناطق الأكثر عرضة للخطر في البلاد
يعتبر الساحل الشرقي لإنجلترا، ولا سيما مقاطعة لينكولنشاير Lincolnshire ومصب نهر هامبر Humber Estuary، من بين المناطق الأكثر عرضة للخطر. فانخفاض مستوى الأرض وقربها من البحر يجعلان هذه المناطق شديدة التأثر بأي ارتفاع في منسوب مياه البحر. كما يحذر العلماء من أن الانهيار السريع للصفائح الجليدية، على الرغم من أنه غير مرجح على المدى القريب، قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر بشكل كبير في القرون القادمة، مما سيغير بشكل جذري معالم أجزاء كبيرة من سواحل المملكة المتحدة.
كما يرى خبراء المناخ أن الحل لا يكمن فقط في بناء المزيد من الحواجز البحرية، بل في التخطيط الحضري طويل الأجل الذي يراعي المخاطر المستقبلية، إلى جانب خفض انبعاثات الكربون عالمياً. ويؤكدون على أهمية تحديث أنظمة الحماية من الفيضانات وإعادة تقييم خطط التنمية في المناطق الساحلية، نظراً لأن بعض المواقع قد تصبح غير مناسبة للتوسع الحضري في المستقبل.
التحدي الاقتصادي والاجتماعي
لا تقتصر عواقب الفيضانات المحتملة على الخسائر المالية فحسب، بل تشمل البنية التحتية وشبكات النقل والاقتصادات المحلية، لا سيما في المدن الساحلية التي تعتمد على السياحة أو الموانئ أو الأنشطة البحرية. يؤكد الباحثون أن التحرك المبكر يمكن أن يقلل من حجم الأضرار المستقبلية، بينما سيؤدي التأخير في الاستجابة إلى زيادة تكاليف الحماية وإعادة الإعمار بمرور الوقت.