منوعات
هوس العناية بالبشرة لدى المراهقين: بين ضغط الجمال وصورة الذات في سن مبكرة
نشر
منذ شهر واحدفي
406 مشاهدة
By
Halla Yosef
عند التقليب في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر ما يلاحظه أي شخص طغيان المراهقات والأطفال لها عبر عالم يبدو وكأنه مختلف عن طفولة الأجيال السابقة، فكثير من الأطفال اليوم يدخلون إلى عالم العناية بالبشرة كما لو أنه جزء طبيعي من يومهم، حيث يختارون منتجات، ويقلدون روتينات يشاهدونها، وكأنهم يعيشون تجربة أكبر من أعمارهم. وبين هذا التقليد والفضول، يبدأ سؤال بسيط لكنه مهم بالظهور: متى أصبح الاهتمام بالبشرة شيئاً يحتاجه طفل لم يكتمل نموه بعد؟
انتشار العناية بالبشرة بين الأطفال ودور وسائل التواصل الاجتماعي
شهدت صناعة العناية بالبشرة نمواً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات الإسترلينية حول العالم. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في هذا النمو من خلال نشر محتوى يركز على الجمال والعناية بالبشرة بشكل يومي.
وعند البحث عن موضوع “الأطفال والعناية بالبشرة” على منصات التواصل الاجتماعي يمكن العثور على آلاف المقاطع التي تعرض أطفالاً وفتيات صغيرات يتحدثن عن منتجات التجميل أو يقدمن نصائح وروتينات للعناية بالبشرة. كما انتشرت مقاطع “استعدي معي” و”العناية بالبشرة بعد المدرسة”، حيث تقوم الفتيات باستخدام عدد كبير من المنتجات أثناء الحديث عن يومهن أو أنشطتهن المختلفة.
وتروج بعض المؤثرات الصغيرات لعلامات تجارية معروفة مثل بابل Bubble، ودرانك إيليفانت Drunk Elephant، وبي لويز P. Louise، ويصف بعضهن أنفسهن بأنهن سفيرات لهذه العلامات التجارية. كما ظهرت مجموعات ومنتجات مستوحاة من شخصيات الرسوم المتحركة والأنمي بهدف جذب الفئات العمرية الصغيرة وتشجيعها على استخدام منتجات العناية بالبشرة.
وتشير دراسة أجرتها علامة باي بي BYBI للعناية بالبشرة وشملت 1500 فتاة تتراوح أعمارهن بين 9 و12 عاماً إلى أن نحو نصف المشاركات يستخدمن أكثر من منتج للعناية بالبشرة بصورة أسبوعية. كما أوضحت الدراسة أن ما يقارب نصف الفتيات يستخدمن هذه المنتجات لعلاج ما يعتقدن أنه مشكلات جلدية تحتاج إلى علاج أو تحسين.
ويرى عدد من الباحثين أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الرئيسي الذي يشكل أفكار الأطفال حول الجمال. فبدلاً من اعتبار البشرة الطبيعية أمراً طبيعياً، أصبح كثير من الأطفال يتعرضون بشكل مستمر لصور وفيديوهات تقدم البشرة المثالية على أنها المعيار الذي يجب الوصول إليه. ونتيجة لذلك بدأت الفتيات الصغيرات يشعرن بضرورة استخدام منتجات متعددة للحصول على مظهر مشابه لما يشاهدنه عبر الإنترنت.
وتوضح الباحثة بروك إيرين دافي Brooke Erin Duffy من جامعة كورنيل Cornell University أن شركات العناية بالبشرة كانت في السابق تستهدف النساء البالغات، خاصة اللواتي تظهر عليهن علامات التقدم في العمر، لكن هذا التوجه بدأ يمتد تدريجياً إلى الفتيات الأصغر سناً، مما جعلهن يتعرضن للضغوط الجمالية نفسها التي كانت تواجهها النساء البالغات.
المخاطر الصحية لاستخدام مستحضرات العناية بالبشرة في سن مبكرة
مع ازدياد عدد الأطفال الذين يستخدمون مستحضرات العناية بالبشرة، بدأ أطباء الجلدية يلاحظون ارتفاعاً في المشكلات الصحية المرتبطة بهذه الممارسات. وقد دفع ذلك بعض الباحثين إلى استخدام مصطلح “هوس التجميل”، وهو مصطلح يشير إلى الانشغال المبالغ فيه بالحصول على بشرة مثالية واستخدام عدد كبير من مستحضرات التجميل منذ سن مبكرة.
وقد أجرى البروفيسور جيوفاني دامياني Giovanni Damiani من جامعة ميلانو Milano دراسة على 55 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عاماً. وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين ظهرت لديهم علامات هوس التجميل كانوا يقضون ساعات طويلة في متابعة محتوى العناية بالبشرة على الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي. كما أن بعضهم كان يستخدم ما يصل إلى 10 منتجات مختلفة يومياً، ويفضل الظهور أمام الآخرين بعد وضع مستحضرات التجميل.
ويؤكد أطباء الجلدية أن بشرة الأطفال تختلف عن بشرة البالغين. ففي مرحلة الطفولة تكون البشرة في أفضل حالاتها الطبيعية، وتتمتع بقدرة عالية على التجدد والحفاظ على الرطوبة. لذلك فإن معظم المنتجات المضادة للشيخوخة لا يحتاج إليها الأطفال على الإطلاق.
وتوضح الدكتورة جين آير Jane Eyre استشارية الأمراض الجلدية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، أن العديد من المنتجات المنتشرة بين الأطفال تحتوي على مواد فعالة قوية صممت لعلاج مشكلات جلدية تظهر عند البالغين. ومن أبرز هذه المواد الريتينول Retinol، الذي يعمل على تسريع تجدد خلايا الجلد وتقليل التجاعيد والخطوط الدقيقة.
لكن استخدام الريتينول عند الأطفال قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأن بشرتهم تتجدد بشكل طبيعي وسريع أصلاً. وقد يؤدي الإفراط في استخدامه إلى تهيج البشرة واحمرارها وتقشرها، بالإضافة إلى إضعاف الطبقة الواقية الطبيعية للجلد. وفي بعض الحالات قد يصاب الطفل بحساسية طويلة الأمد تجاه بعض المكونات الموجودة في هذه المنتجات.
كما يلاحظ الأطباء زيادة في حالات التهاب الجلد التماسي، وهو نوع من الأكزيما يحدث نتيجة ملامسة مواد تسبب الحساسية أو التهيج. وتظهر أعراضه على شكل احمرار وحكة وطفح جلدي قد يستمر لفترات طويلة. وتشير بعض الملاحظات الطبية أيضاً إلى تزايد حالات داء الثعلبة الليفية الأمامية لدى فئات عمرية أصغر من السابق، وهو مرض يؤدي إلى تراجع خط الشعر الأمامي، رغم أن العلاقة بينه وبين منتجات العناية بالبشرة ما تزال قيد الدراسة.
ومن الجوانب المهمة كذلك التكلفة المالية المرتفعة لهذه المنتجات. فقد وجدت إحدى الدراسات التي حللت 100 مقطع فيديو على تطبيق تيك توك أن متوسط تكلفة روتين العناية بالبشرة الذي ينشره الأشخاص دون سن 18 عاماً يبلغ 125 جنيه إسترليني، مع الحاجة إلى شراء المنتجات مرة أخرى كل ثلاثة أو أربعة أشهر تقريباً.
التأثيرات النفسية والاجتماعية على الأطفال
لا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال. فخلال مرحلة الطفولة والمراهقة يبدأ الفرد في تكوين صورته عن نفسه وتقديره لذاته، ولذلك يكون أكثر تأثراً بالرسائل التي يتلقاها من البيئة المحيطة ومن وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى عالم النفس الإيطالي ألبيرتو ستيفانا Alberto Stefana أن الأطفال الذين يقضون وقتاً طويلاً في متابعة محتوى الجمال قد يربطون قيمتهم الشخصية بشكلهم الخارجي. كما أن تقديرهم لذاتهم قد يصبح مرتبطاً بعدد الإعجابات والتعليقات التي يحصلون عليها على الإنترنت.
وتشير أبحاثه إلى وجود علاقة بين هوس التجميل وبعض أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم، وهو اضطراب نفسي يجعل الشخص منشغلًا بشكل مبالغ فيه بعيوب يعتقد أنها موجودة في شكله، حتى لو لم يلاحظها الآخرون.
ويحذر الباحثون من أن الأطفال الذين يقارنون أنفسهم باستمرار بالمؤثرين والمشاهير قد يشعرون بعدم الرضا عن مظهرهم، وقد تظهر لديهم مشاعر القلق والخجل وانخفاض الثقة بالنفس. وفي بعض الحالات قد يصل الأمر إلى تجنب الذهاب إلى المدرسة أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية بسبب الشعور بعدم الجاذبية أو عدم الكمال.
جهود الجهات التنظيمية والمؤسسات المعنية
أثارت هذه الظاهرة اهتمام الجهات التنظيمية في عدد من الدول. ففي إيطاليا فتحت هيئة المنافسة الإيطالية AGCM تحقيقات مع مجموعة إل في إم إتش LVMH، المالكة لعلامتي سيفورا Sephora وبنفت Benefit، لدراسة ما إذا كانت بعض الممارسات التسويقية قد شجعت الأطفال والمراهقين على شراء منتجات غير مخصصة لأعمارهم.
وفي المملكة المتحدة أعلنت هيئة معايير الإعلان ASA أنها تتابع التطورات المتعلقة بتسويق منتجات العناية بالبشرة للأطفال، وتبحث في إمكانية وجود مشكلات مشابهة داخل السوق البريطانية.
كما أصدرت جمعية مستحضرات التجميل والعناية الشخصية والعطور CTPA دليلاً مخصصاً للآباء والأمهات لمساعدتهم على فهم المنتجات المناسبة لأعمار أطفالهم. وجاء ذلك بعد استطلاع أظهر أن 40% من أولياء الأمور يشعرون بأن أبناءهم يمتلكون معلومات عن العناية بالبشرة أكثر مما يمتلكونه هم أنفسهم.
في النهاية، لا تبدو المشكلة في العناية بالبشرة بحد ذاتها، بل في العمر الذي يبدأ فيه هذا الاهتمام، وفي الرسائل التي تصل إلى الأطفال عن شكلهم وقيمتهم. حين يكبر الطفل وهو يظن أن بشرته تحتاج إلى “تصحيح” دائم، فإننا لا نتحدث عن منتج تجميل فقط، بل عن طريقة جديدة لرؤية الذات. وربما ما يحتاجه الأطفال اليوم ليس المزيد من المستحضرات، بل مساحة أكبر ليشعروا أن ملامحهم كما هي، كافية وجميلة في وقتها الطبيعي.
اقرأ أيضاً: انتبه.. عندما تتحول منتجات العناية بالبشرة إلى سم قاتل
مصر تودع المونديال والجدل يبقى .. هل أنقذ التحكيم الأرجنتين؟ وما علاقة مارادونا؟
كاريكاتير: خبر عاجل وطغيان الشريط الأحمر
الأمن الغذائي في بريطانيا تحت ضغط المناخ.. ماذا يعني ذلك للجالية العربية؟
مطاعم لندن الجديدة… تجارب تستحق أن تضعها في قائمة زياراتك
فواتير تتصاعد وطاقة تتغير.. هل يصبح التحول الأخضر طوق نجاة للأسر البريطانية؟
الثلاثي الصعب في بريطانيا: الشيخوخة والصحة والدفاع يضغطون على المالية العامة
“البوابة الزمنية العاشرة”.. لماذا عادت إلى الواجهة مع الحرب على إيران؟
“ممنوع الموت” في هذه المدن تحت طائلة المحاسبة!
مبيعات السيارات الأقوى منذ 2019: هل تقود المركبات الكهربائية تعافي السوق البريطانية؟
