لا تزال الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل المتغير قائمة في بريطانيا، لذلك تُعد الخبرة العملية أحد جسور العبور إلى الوظيفة، لا سيما وأن الخريجين الجدد يواجهون اليوم كابوس انخفاض فرص العمل المخصصة لهم.
فوفقاً لتقرير حديث صادر عن أدزونا (Adzuna)، وصلت الوظائف المعلنة للخريجين الجدد في المملكة المتحدة إلى 8383 وظيفة في يوليو 2026، مقارنةً بنحو 15397 وظيفة خلال الشهر ذاته من عام 2025، أي سجلت انخفاضاً بنسبة 45%، وهو أدنى مستوى منذ بدء تتبع البيانات في 2016.
وتتسع الصورة عند النظر إلى البيانات الرسمية، التي أكدت أن أكثر من مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً خارج التعليم أو العمل أو التدريب، فضلاً عن نتائج المسح الحكومي البريطاني لعام 2024 التي رصدت وجود فجوة في مهارات الموظفين.
إذاً، تتعدد التحديات المواجهة للشباب البريطاني، فالبطالة التي ارتفعت بنسبة 5% خلال الأشهر الماضية من جهة، ونقص الخبرة العملية التي تزيد من قتامة وضع سوق العمل البريطاني من جهة أخرى.
وهذه التحديات مجتمعة تحتاج إلى معالجة متكاملة يشترك فيها القطاعان العام والخاص، لذلك تبرز عدة مبادرات لتخفيف حدتها، أحدثها مبادرة متاجر “ساينسبريز” (Sainsbury’s) لتوفير فرص الخبرة العملية والتدريب، حتى تصبح أداةً مُحتملة لسدّ جانب من هذه الفجوة.
ساينسبريز تتيح 10 آلاف فرصة خبرة عملية
شركة ساينسبريز التي تعدّ إحدى أكبر سلاسل متاجر التجزئة في المملكة المتحدة، انضمت إلى حملة وطنية لمكافحة البطالة، بعد إطلاقها برنامج “الخبرة العملية الحديثة” (Modern Work Experience Programme)، الذي يَعِد آلاف الشباب في مختلف أنحاء المملكة المتحدة بفرصة اكتساب خبرة عملية، مع تطوير مهاراتهم وبناء الثقة لتهيئتهم لسوق العمل، وهذا ما تحتاجه الشركات بشدة.
ويبدأ البرنامج خلال شهر أكتوبر مستهدفاً المجتمعات التي يواجه فيها الشباب عوائقاً أكبر أمام دخول سوق العمل، حيث يوفر نحو 10 آلاف فرصة خبرة عملية للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 24 عاماً، وهذا يعني أنه يحاول توجيه فرص الخبرة العملية إلى الشباب الأكثر حاجةً إليها.
وبناءً على ذلك، تُعد “ساينسبريز” أحدث جهات التوظيف الكبرى التي تعلن إطلاق برنامج رئيسي يستهدف تطوير المهارات، عقب إعلان رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام (Andy Burnham) عن إصلاحات بمجال التعليم، لسد الفجوة بين مخرجاته وبيئة العمل.
أساس البرنامج
يمكن اختصار واقع حال العديد من الشباب بصورة عامة مفادها: الشباب لا يحصلون على وظيفة لعدم وجود خبرة عملية مسبقة، ولا يستطيعون اكتساب الخبرة لعدم قدرتهم على إيجاد عمل، وهي مشكلة معقدة فعلاً، وهذا بالضبط ما تحاول المبادرة الجديدة التخفيف من حدته.
فقد أشارت الحكومة البريطانية إلى أن أكثر من 6 من كل 10 من الشباب المصنفين ضمن فئة (NEET)، أي فئة غير الملتحقين بالتعليم أو التدريب أو العمل، لم يسبق لهم الحصول على وظيفة، مبينةً أن نقص الخبرة يمثل عائقاً أمام دخول سوق العمل.
لماذا اختارت ساينسبريز نموذج الخبرة العملية الحديثة؟
تنطلق فكرة برنامج “الخبرة العملية الحديثة” من أبحاث ودراسات تشير إلى أن التواصل المتكرر والهادف بين الطلاب وأصحاب العمل خلال المرحلة الدراسية، يمكن أن يخفض خطر خروج الشباب من التعليم أو العمل أو التدريب بنسبة تصل إلى 80%.
غير أن البرنامج لا يقوم على مبدأ جلسات تدريب تقليدية لأسبوع أو لفترة قصيرة وفقاً لما ذكرته الشركة، فهناك سلسلة تجارب عملية ومواقف حقيقية مع أصحاب العمل، يطورون من خلالها مهاراتهم المهنية وتتخللها زيارات للمتاجر ولقاء الزملاء، وهذا ما يساعدهم على بناء علاقات عمل والاستعداد لدخول السوق بثقة أكبر.
انتقادات تطال حزب العمال
على الرغم مما تعِد به هذه المبادرة والترحيب الذي حصلت عليه من عدة جهات، إلا أنها في المقابل أثارت انتقادات طالت حكومة حزب العمال، فقد حذر مسؤولون من أن الخبرة العملية لا يمكن لها أن تحل محل خلق وظائف حقيقية للشباب.
وهذا ما أشارت إليه وزيرة العمل والمعاشات في حكومة الظل، هيلين ويتلي (Helen Whately)، التي أكدت أنه “لا يمكن لأي عدد من برامج التدريب أن يخفي حقيقة أن حزب العمال دمّر فرص العمل أمام الشباب من خلال ضريبة الوظائف والبيروقراطية الإضافية التي فرضها”.
رغم ما آل إليه وضع البطالة في بريطانيا وحاجته إلى معالجة أوسع تضرب جذور الأزمة، فإن مبادرة ساينسبريز تعد خطوة عملية ضمن مساعٍ وطنية أكبر لمكافحة هذه الأزمة، فما رأيكم: هل يمكن اعتبار هذه المبادرة بحجمها الحالي خطوةً فعالةً لمعالجة إحدى حلقات المشكلة، التي تتمثل في غياب الخبرة لدى الشباب؟
اقرأ أيضاً: زيادة الوظائف لا تكفي .. لماذا ترتفع البطالة في اسكتلندا رغم تحسن سوق العمل؟