قبل ما يقارب أربعين عاماً، لم يكن هدف “دييغو مارادونا” الشهير ضد إنجلترا مجرد لحظة كروية عابرة، بل أصبح جزءاً من التاريخ وواحداً من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم. الهدف، الذي سُجّل بلمسة يد ولم يلحظه الحكم، أصبح أسطورة تُعرف في الأوساط الرياضية باسم: “يد الله”، بعد إجابة مارادونا عن سؤال بخصوصها. ومنذ ذلك الحين انقسمت الجماهير بين من اعتبروه إنجازاً كروياً عبقرياً ومن اعتبروه أكبر خدعة شهدتها أرض الملعب على الإطلاق. لكن مع مونديال 2026، يبرز سؤال مختلف تماماً، هل يمكن تكرار “يد الله” اليوم، ولو في يد لاعبٍ آخر غير مارادونا؟ أم أن التكنولوجيا قد أغلقت الباب أمام مثل هذه اللحظات إلى الأبد؟
من لحظة خالدة إلى درس غيّر كرة القدم
في ربع نهائي كأس العالم 1986 في المكسيك، قفز مارادونا داخل منطقة الجزاء ليستحوذ على الكرة، ثم مدّ يده اليسرى خلسةً ليدفعها نحو مرمى إنجلترا. لم يلحظ الحكم ولا مساعده المخالفة، وعلى الرغم من احتجاجات الإنجليز، احتسب الهدف.
والمفارقة أن مارادونا لم يكتفِ بذلك. فبعد دقائق، سجّل ما يعتبره الكثيرون أعظم هدف فردي في تاريخ كأس العالم. راوغ نصف لاعبي المنتخب الإنجليزي ليفتتح التسجيل. وهكذا، ستبقى هذه المباراة محفورة في ذاكرة الجماهير كمعركة بين هدف غير قانوني وهدف لا ينسى.
لم يعد الحكم في كرة القدم يعتمد كلياً على العين البشرية
اليوم، أصبحت كرة القدم لعبة مختلفة تماماً. لم يعد الحكم وحيداً في اتخاذ القرارات، بل أصبح محاطاً بشبكة من التقنيات التي تراقب كل لمسة وكل حركة على أرض الملعب. أبرز هذه التقنيات نظام حكم الفيديو المساعد (VAR)، الذي يراجع الأهداف وركلات الجزاء والبطاقات الحمراء المباشرة وغيرها من المخالفات الجسيمة، مما يتيح للحكم فرصة مشاهدة المباراة من زوايا مختلفة قبل اتخاذ قراره النهائي.
أصبحت الكرة نفسها جزءاً من نظام التحكيم، إذ تحتوي على مستشعرات إلكترونية ترصد لحظة التلامس الدقيقة مع اللاعب، وعلى الخطوط. وهذا يساعد على رصد اللمسات الدقيقة، سواء باليد أو القدم، حتى تلك التي لا ترى بالعين المجردة.
اقرأ أيضاً: ملحمة “فوكلاند” جديدة بين الأرجنتين وإنكلترا: من سيفوز؟
في مونديال 2026.. كاميرات لا تفوت شيئاً
في البطولات الكبرى، تغطى المباريات بعشرات الكاميرات عالية الدقة، بعضها يعمل بمعدلات إطارات عالية للغاية، مما يسمح بإعادة عرض اللقطات إطاراً بإطار. في الوقت نفسه، توفر الكاميرات ثلاثية الأبعاد والزوايا المتعددة رؤية شبه كاملة لكل تفاصيل الملعب. كما تستخدم تقنية التسلل شبه الآلية، التي تعتمد على التتبع الفوري لمواقع اللاعبين والكرة لاتخاذ القرارات بشكل أسرع وأكثر دقة من السنوات السابقة. وقد تطور النظام أكثر في مونديال 2026، وبات معتمداً بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي لتحليل اللقطات في جزء من الثانية وتم تزويد الحكام بمعلومات فورية لمساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة.
على الرغم من هذا التقدم، لم تصل التكنولوجيا إلى الكمال في كرة القدم. لا تزال هناك مواقف تعتمد على التقدير البشري، مثل التدخلات، وتحديد ما إذا كانت لمسة اليد متعمدة أو تحديد مدى خطورة المخالفة، وهو ما يفسر الجدل المستمر بعد بعض المباريات. لكن الفرق يكمن في أن الأخطاء الواضحة، مثل لمسة اليد، أو احتساب هدف لم يتجاوز خط المرمى، أو تجاهل حالة تسلل واضحة، أصبحت نادرة للغاية مقارنةً بالعقود الماضية.
“يد الله” اليوم… شبه مستحيلة في مونديال 2026
لو كرر لاعب ما فعله “مارادونا” في كأس العالم عام 1986، لكان من المرجح أن يتم اكتشاف الخطأ في غضون ثوانٍ. ستسجل أجهزة الاستشعار داخل الكرة، وكاميرات البث، وتقنية الفيديو، والذكاء الاصطناعي، لمسة الكرة قبل انتهاء احتفال اللاعب بالهدف. لذا، لم تعد كرة القدم تعتمد فقط على ما يراه الحكم، بل على نظام تقني متكامل يعمل خلف الكواليس لضمان أعلى مستوى من العدالة.
في المحصلة… بقي “مارادونا” لكن الزمن تغير. قد لا تتكرر “يد الله” أبداً، لكن هذا لا يعني أن قصة مارادونا ستفقد جاذبيتها. يعكس هذا حقبةً كانت فيها المباريات، قبل ظهور التكنولوجيا وتغيير قواعد اللعبة، تحسم بناءً على حدس الحكم وقدرة اللاعبين على استغلال أدق التفاصيل.
في مونديال 2026 الحالي ، لن يتطلع المشجعون إلى رؤية “يد الله” مرة أخرى، بل إلى لحظة استثنائية أخرى تُخلّد في التاريخ، ولكن هذه المرة تحت أنظار كاميرات لا تغفل، وأجهزة استشعار لا تخطئ، وذكاء اصطناعي يجعل إخفاء الحقيقة شبه مستحيل.. ربما تكون هدفاً آخر كالذي سجله مارادونا بعد هدفه في اليد.