تشكل السياسات التجارية التي يتبناها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب (Donald Trump)، مصدر قلق واسع النطاق، خاصة فيما يتعلق بتأثيرها المحتمل على الاقتصادات العالمية، ومن بينها اقتصاد المملكة المتحدة، فقد فرض ترامب خلال ولايته السابقة تعريفات جمركية على مجموعة واسعة من السلع المستوردة، مما تسبب في توترات تجارية مع دول عدة، ومع عودته إلى الساحة السياسية، تبنى ترامب النهج نفسه، مما يترتب عليه تداعيات اقتصادية محتملة على بريطانيا وغيرها من الدول.
التعريفات الجمركية وأهدافها
التعريفات الجمركية هي ضرائب تفرض على السلع المستوردة بهدف تقليل الاعتماد على المنتجات الأجنبية، وتحفيز الإنتاج المحلي، ويبرر ترامب هذا النهج باعتباره وسيلة لحماية الصناعة الأمريكية وخلق وظائف جديدة.
لكن هذا الإجراء لا يخلو من المخاطر، إذ يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، مما ينعكس سلبًا على الشركات والمستهلكين داخل الولايات المتحدة، كما أن الشركاء التجاريين يتأثرون مباشرة بهذه السياسة، حيث تصبح صادراتهم أقل قدرة على المنافسة في السوق الأمريكية.
وبالنسبة للمملكة المتحدة، التي برز اسمها من بين الدول التي استهدفتها التعريفات الجمركية بشكل مباشر، فإن الاقتصاد البريطاني يمكن أن يتأثر من زوايا متعددة، سواء عبر انخفاض الطلب على الصادرات البريطانية أو عبر تداعيات التباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن هذه السياسة.
كيف يمكن أن تتأثر التجارة البريطانية؟
تعد الولايات المتحدة واحدة من أهم الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة، حيث بلغت قيمة الصادرات البريطانية إلى السوق الأمريكية حوالي 60 مليار جنيه إسترليني في عام 2024، تشمل هذه الصادرات قطاعات حيوية مثل الأدوية، والسيارات، والآلات الصناعية، وجميعها قد تواجه تحديات بعد فرض ترامب تعريفات جديدة.
ومن المتوقع أن يدفع ارتفاع التكاليف الناتج عن التعريفات الجمركية المستوردين الأمريكيين للبحث عن بدائل أرخص، ما يعني انخفاض الطلب على المنتجات البريطانية، وتأثر الصناعات التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الولايات المتحدة.
وفي حال شهد الاقتصاد الأمريكي تباطؤًا بسبب هذه السياسات، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقلص القدرة الشرائية لدى المستهلكين الأمريكيين، مما قد ينعكس على الصادرات البريطانية بشكل غير مباشر.
اقرأ أيضاً: البرلمان البريطاني يستعد لمناقشة «بيان الربيع 2025» وسط تحديات اقتصادية كبيرة
تداعيات غير مباشرة عبر الاقتصاد العالمي
إلى جانب التأثيرات المباشرة، فإن الاقتصاد البريطاني قد يتضرر من تداعيات أوسع إذا أدت التعريفات الأمريكية إلى اضطرابات اقتصادية عالمية، فالاتحاد الأوروبي، الذي يعد شريكًا تجاريًا رئيسيًا لبريطانيا، قد يواجه صعوبات اقتصادية بسبب سياسات ترامب التجارية، مما قد يؤثر على سلاسل التوريد وأسعار السلع في المملكة المتحدة.
وعلى سبيل المثال، إذا فرض ترامب تعريفات على الصين أو الاتحاد الأوروبي، فقد تسعى هذه الدول إلى تصريف بضائعها في أسواق أخرى بأسعار مخفضة، ما قد يخلق ضغوطًا على الشركات البريطانية التي تجد نفسها غير قادرة على منافسة الأسعار المنخفضة، وقد يكون قطاع الصلب في المملكة المتحدة من بين القطاعات المتضررة، إذ يمكن أن تغمر الأسواق المحلية بفائض الإنتاج القادم من دول تضررت تعريفاتها.
انعكاسات على الأسواق المالية وسعر الصرف
سياسات الحماية التجارية التي يتبناها ترامب قد تؤدي إلى تقلبات في الأسواق المالية، مما قد يضغط على الجنيه الإسترليني مقابل الدولار، وفي حال ارتفعت أسعار الفائدة الأمريكية كرد فعل على اضطرابات الأسواق، فإن ذلك قد يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو الدولار الأمريكي، ما يؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه الإسترليني.
كما أن ضعف العملة البريطانية قد يجعل الصادرات أكثر قدرة على المنافسة، لكنه سيرفع أيضًا تكلفة الواردات، مما قد يؤثر على أسعار السلع في بريطانيا، ويؤدي إلى ارتفاع التضخم، والشركات البريطانية التي تعتمد على القروض الدولارية قد تواجه صعوبة في تغطية تكاليف الاقتراض المتزايدة.
اقرأ أيضاً: بريطانيا تواجه أزمة اقتصادية جديدة.. ما تفاصيلها؟
الردود المحتملة من بريطانيا
أمام هذا التهديد، تحاول الحكومة البريطانية تأمين اتفاق تجاري أكثر استقرارًا مع الولايات المتحدة، وذلك بهدف تقليل التأثيرات السلبية المحتملة، ورغم أن بريطانيا كانت تأمل في توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، فإن المحادثات لم تحقق تقدمًا كبيرًا، ومن غير الواضح ما إذا كانت إدارة ترامب المحتملة ستتجه نحو تعزيز العلاقات التجارية مع بريطانيا أم ستفضل نهجًا أكثر حمائية.
في هذا السياق، تسعى بريطانيا لتنويع شركائها التجاريين، والتركيز على اتفاقيات مع دول أخرى مثل أستراليا، وكندا، ودول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في محاولة لتعويض أي خسائر قد تنتج عن تراجع التجارة مع الولايات المتحدة.
مستقبل العلاقة الاقتصادية بين بريطانيا وأمريكا
لا تزال العلاقة التجارية بين بريطانيا والولايات المتحدة معقدة، حيث تعتمد بشكل كبير على العوامل السياسية والتغيرات في الإدارة الأمريكية، وإذا تبنى ترامب سياسات أكثر تشددًا تجاه التجارة الخارجية، فقد تجد بريطانيا نفسها أمام تحديات جديدة تتطلب استجابة سريعة.
ورغم المخاطر المحتملة، فإن بريطانيا قد تتمكن من الاستفادة من بعض الفرص، مثل اجتذاب الشركات التي ترغب في تجنب التعريفات الأمريكية عبر توطين إنتاجها داخل المملكة المتحدة، لكن هذا السيناريو يعتمد على عوامل عدة، منها استقرار البيئة الاستثمارية في بريطانيا، ومستوى الدعم الحكومي للقطاعات الصناعية المتضررة.
في الختام، يبقى تأثير تعريفات ترامب الجمركية على المملكة المتحدة مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها طبيعة السياسات التي سيتبناها مرة أخرى، ومدى قدرة بريطانيا على التكيف مع هذه التغييرات، وفي ظل الغموض المحيط بالاقتصاد العالمي، تبقى الحاجة ملحة لبريطانيا لوضع استراتيجيات مرنة تحمي مصالحها التجارية وتقلل من تداعيات أي قرارات حمائية قد تصدر من الولايات المتحدة مستقبلاً.