أعلنت الحكومة البريطانية في 8 يونيو 2026 خطة تزيد قيمتها على 1.1 مليار جنيه لدعم العتاد الذي يعمل عليه الذكاء الاصطناعي. خُصصت الحصة الأكبر، وقدرها 750 مليون جنيه، لحاسوب وطني جديد يُفترض أن يبدأ العمل على مراحل من 2028 وأن تكتمل خدمته في السنة المالية 2029 ـ 2030. الإعلان يعالج نقصاً معروفاً في الحوسبة العامة، لكنه لا يحسم مقدار السيطرة التي تستطيع بريطانيا الاحتفاظ بها عندما تكون الرقائق والمسابك وأدوات التصميم موزعة بين شركات ودول أخرى.
فتحت وزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا في 17 يوليو باب إبداء الاهتمام باستضافة الحاسوب الجديد. ما زالت الوزارة تبحث عن الموقع والشريك المشغل، ولم تبدأ بعد مناقصة الاستضافة أو اختيار الموردين النهائيين. يمكن تحديد ما تريد الخطة تغييره، بينما يبقى أثرها الصناعي الفعلي مرتبطاً بعقود لم تُحسم بعد.
تمويل ذكاء اصطناعي بريطاني مستقل
تذهب 400 مليون جنيه من موازنة الحاسوب الجديد إلى شراء رقائق متخصصة. تعتزم الحكومة تخصيص 150 مليون جنيه منها لالتزام شراء مسبق لرقائق الاستدلال، وهي المعالجات المستخدمة عند تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد تدريبها، على أن يُمنح العقد خلال صيف 2026. يتبع ذلك شراء عتاد متخصص بقيمة 250 مليون جنيه، فيما تغطي 350 مليوناً أخرى معالجات من مورد تقني راسخ وكلفة مركز البيانات والبنية المرتبطة به.
تضيف الخطة 120 مليون جنيه لبرنامج تطوير واختبار العتاد، وتشمل ما لا يقل عن 20 مليوناً لتوسيع مختبر يتيح للشركات تجربة أنظمتها على أحمال حقيقية. وتعرض الحكومة 80 مليون جنيه للتدريب والمهارات، مع أن 45 مليوناً فقط منها دعم جديد، كما يشارك بنك الأعمال البريطاني بما يصل إلى 150 مليون جنيه في صندوق تقوده شركة الاستثمار الأميركية «بلاي غراوند غلوبال». هذا الالتزام الأخير مشروط باستكمال الفحص والتفاوض القانوني.
لهذا لا تمثل الحزمة كلها إنفاقاً جديداً يصل إلى السوق فوراً. بعض المبلغ مدمج في برامج قائمة، وبعضه استثمار في صندوق وليس منحة للشركات، بينما يمتد أكبر مشروع فيها حتى نهاية العقد. الأثر الأقرب هو تحويل الحكومة إلى مشتر مبكر، لأن شركة بريطانية تطور رقاقة جديدة تحتاج إلى عميل يختبر المنتج ويمنحه مصداقية قبل أن يدخل سوقاً يسيطر عليها موردون كبار. الإعلان يتيح للشركات المحلية المنافسة على المشتريات، لكنه لا يضمن أن تذهب العقود إليها.
يستفيد الباحثون والشركات الصغيرة أيضاً من توسيع مورد الحوسبة العامة. النظام الحالي يتيح ساعات معالجة مجانية لمشروعات تُنفذ داخل المملكة المتحدة وتعود بفائدة عليها، وهذا يقلل كلفة التجربة التي لا تستطيع شركات ناشئة كثيرة تحملها. تلك فائدة عملية لبناء ذكاء اصطناعي بريطاني، حتى إن بقيت ملكية المعالج نفسه خارج البلاد.
حدود صناعة الرقائق
تكشف الأنظمة الموجودة مقدار الاعتماد الحالي. يضم حاسوب «إيزامبارد إيه آي» في بريستول 5448 معالجاً فائقاً من «إنفيديا» زودتها شركة «هيوليت باكارد إنتربرايز»، بينما يعمل حاسوب «دون» في كامبريدج على 1024 معالج رسوميات من «إنتل» ضمن شراكة مع «ديل». توسعة كامبريدج أدخلت معالجات من «إيه إم دي»، وهو تنويع للموردين، لكنه يبقى اعتماداً على عتاد أميركي.
تملك بريطانيا قاعدة تقنية حقيقية يمكن البناء عليها. أحصت الدراسة القطاعية الحكومية لعام 2026 نحو 703 شركات تعمل في أشباه الموصلات، وقدرت أن 92 في المئة من الشركات المتخصصة صغيرة أو متوسطة. كما وجدت أن عدداً محدوداً من الشركات الكبيرة يحقق 75 في المئة من إيرادات القطاع. هذا التكوين يفسر تركيز الخطة على تمويل النمو والشراء العام، فالمشكلة تقع عند الانتقال من التصميم والنموذج الأولي إلى منتج يباع بكميات كافية.
مجلس العلوم والتكنولوجيا، وهو جهة استشارية للحكومة، قدّم حدود الطموح بوضوح في تقريره الصادر في أغسطس 2025. رأى المجلس أن الصناعة البريطانية متخصصة أكثر من أن تلحق بالمتصدرين عبر محاولة تغطية كل حلقات الرقائق، وأوصى بالتركيز على تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي والضوئيات والمواد التي تملك فيها البلاد خبرة. يقدر التقرير كلفة تصميم رقاقة متقدمة بما بين 50 و100 مليون دولار، بينما قد يكلف إنشاء مصنع متقدم نحو 20 مليار دولار.
اختارت بريطانيا لذلك نموذج الشركات التي تصمم الرقائق وتُصنّعها في مسابك أجنبية. تحتاج هذه الشركات إلى خدمات «تي إس إم سي» أو «سامسونغ» أو «إنتل»، وإلى أدوات تصميم تملكها شركات دولية. خطة العتاد نفسها تتحدث عن شبكة موثوقة من شركاء التصنيع والمسابك، ولا تتضمن بناء مصنع بريطاني للرقائق المتقدمة. كما أن «آرم»، أبرز اسم بريطاني في تصميم المعالجات، مملوكة لمجموعة «سوفت بنك» اليابانية ومدرجة في بورصة ناسداك. وجود البحث والمهندسين داخل بريطانيا مهم، لكنه لا يضمن وحده بقاء القرار الاستثماري والعائد والملكية الفكرية فيها.
التنفيذ حتى 2030
تتوقع وثيقة الاستضافة تشغيل المرحلة الأولى من الحاسوب الجديد في مطلع 2028 بقدرة كهربائية قد تصل إلى 10 ميغاواط. ترتفع الحاجة عند اكتمال الخدمة إلى ما بين 20 و30 ميغاواط. اختيار الموقع، وتأمين الكهرباء والتبريد، ودمج رقائق من معماريات مختلفة مسائل لم تُحسم بعد. كما خصصت الحكومة 350 مليون جنيه من المشروع لمورد تقني راسخ وللبنية المادية، وهو ما يعني أن العمود الفقري للنظام سيعتمد في البداية على تكنولوجيا مجربة من السوق العالمية.
تسعى بريطانيا إلى رفع قدرة مورد أبحاث الذكاء الاصطناعي عشرين مرة بحلول 2030، من 21 إلى 420 إكسافلوب للذكاء الاصطناعي، وهو مقياس لضخامة عمليات المعالجة في الثانية. هذه زيادة كبيرة للجامعات والمؤسسات العامة، إلا أن الملحق التحليلي لخريطة الحوسبة يقدر أن الفجوة بين الطلب والعرض المحليين قد تبلغ خمسة غيغاواط في 2030. ويقول إن توسعة المورد العام لن تغطي جميع احتياجات القطاع العام والتعليم والشركات الصغيرة، حتى في حال تنفيذها كما خُطط لها. ارتفاع كلفة الكهرباء وطول إجراءات إنشاء مراكز البيانات يزيدان صعوبة جذب عمليات التدريب الضخمة إلى بريطانيا.
الاستقلال المقصود في الوثائق الحكومية أضيق من الاكتفاء الذاتي. تريد لندن أن تبقى البيانات والأعمال الحساسة داخل البلاد، وأن تملك الحكومة قدرة توجيه الحوسبة العامة، وأن تقلل تعرضها لمورد واحد. كما تريد حصة بريطانية في تصميم العتاد الذي ستشتريه الدولة والقطاع الخاص. الخطة نفسها تقر بأن التصنيع والتوسع سيعتمدان على شركاء دوليين.
الحكم النهائي يتوقف على نتائج العقود. إذا حصلت التقنيات المصممة في بريطانيا على حصة معتبرة من مشتريات الرقائق، وبقيت الملكية الفكرية والوظائف الهندسية داخل البلاد، تكون الحزمة قد حسنت موقعها في سلسلة القيمة. أما إذا قام الحاسوب الجديد أساساً على موردين عالميين وظلت الشركات المحلية عند مرحلة الاختبار، فستتوسع القدرة الحاسوبية من دون تغيير جوهري في التبعية الصناعية.
المبلغ يكفي لبدء سياسة أكثر تماسكاً في الحوسبة والرقائق، ويمكنه بناء قدرة سيادية جزئية ومفيدة للبحث والشركات الناشئة. لا يكفي لصناعة ذكاء اصطناعي بريطاني مستقل عبر جميع طبقات التقنية، ولا تصمم الخطة مصنعاً أو سلسلة توريد تحقق ذلك. بحلول 2030 يجب أن تظهر حصة المنتجات البريطانية من المشتريات العامة، وما إذا بقيت الشركات والملكية الفكرية داخل البلاد بعد انتهاء مرحلة الدعم.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح العمل المصرفي