لا تدخل بطالة الشباب إلى حياة الأسرة البريطانية كرقم في جدول حكومي فقط. تدخل كقلق يومي. شاب أنهى دراسته ولا يعرف من أين يبدأ، وآخر ترك التعليم مبكراً، وثالث يرسل طلبات عمل لا يعود منها جواب. وبين هؤلاء جميعاً تتسع فجوة صغيرة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في أثرها: من يرافق الشاب في خطوته الأولى نحو العمل؟
من هنا تأتي شراكة الحكومة البريطانية مع King’s Trust بقيمة 10 ملايين جنيه. المبادرة تبدو محددة ومباشرة، لكنها تفتح سؤالاً أوسع من الرقم نفسه. هل تكفي شبكة من المرشدين والتدريب وفرص الخبرة لكسر أزمة بطالة الشباب، أم أن المشكلة أعمق من برنامج واحد، حتى لو حمل اسماً معروفاً وتمويلاً مضاعفاً؟
الشراكة حين تبدأ من الثقة لا من الوظيفة
أعلنت الحكومة البريطانية في 3 حزيران 2026 استثمار 10 ملايين جنيه في مبادرة جديدة مع King’s Trust، على أن يطابق شركاء من القطاع الخاص والعمل الخيري هذا التمويل، لتصل القيمة الإجمالية إلى 20 مليون جنيه على مدى أربع سنوات. ومن المقرر أن يُطلق البرنامج كاملاً في 2027، مع تركيزه على الإرشاد، وبناء المهارات، وتسهيل الوصول إلى خبرات عمل وفرص وظيفية.
لا تذهب المبادرة مباشرة إلى خلق وظيفة بالمعنى الضيق. هي تبدأ قبل ذلك، من المكان الذي يفشل فيه كثير من الشباب بصمت. الحكومة تشير إلى أن واحداً من كل خمسة شبان قد لا يملك شخصاً بالغاً موثوقاً خارج المنزل يمكنه الحديث إليه. هذه ليست ملاحظة اجتماعية جانبية. الشاب الذي لا يملك شبكة إرشاد يدخل سوق العمل أضعف، حتى لو كان لديه استعداد ورغبة.
King’s Trust يعمل منذ سنوات في هذه المساحة الحساسة بين التعليم والعمل. يساعد الشباب على كتابة السيرة الذاتية، وبناء الثقة، وفهم مقابلات العمل، واختيار التدريب المناسب، والتواصل مع أصحاب العمل. هذه عناصر لا تصنع عناوين كبيرة، لكنها قد تغير مسار فرد كامل. غير أن قوتها هنا هي نفسها حدودها. فالمرشد يفتح الباب، لكنه لا يضمن أن يكون خلفه سوق مستعد للتوظيف.
أزمة الشباب أكبر من مبادرة واحدة
تأتي الشراكة في سياق ضغط أوسع على سوق العمل. في آذار 2026 تحدثت الحكومة عن حزمة بقيمة مليار جنيه لدعم توظيف الشباب، ضمن خطة تستهدف خلق 200 ألف وظيفة وفرصة تدريب مهني، وتوفير ما يصل إلى 500 ألف فرصة للتعلم أو العمل خلال ثلاث سنوات. هذه أرقام كبيرة، لكنها تكشف أيضاً حجم المشكلة لا حجم الحل فقط.
تقديرات منشورة من معهد الدراسات المالية أشارت إلى أن عدد الشباب بين 16 و24 عاماً خارج التعليم والعمل والتدريب بلغ نحو 960 ألفاً في الربع الأخير من 2025، بعدما كان نحو 830 ألفاً قبل ثلاث سنوات. وهناك تقديرات حكومية وإحصائية تتحدث عن نحو مليون شاب في هذه الفئة. الرقم هنا لا يعني البطالة وحدها، بل الانقطاع عن المسار كله. لا تعليم، لا تدريب، ولا وظيفة.
هذا الانقطاع لا تفسره قلة المهارات وحدها. هناك صحة نفسية، وسكن، وفقر، وتفاوت مناطقي، وتراجع في الوظائف المبتدئة، وتحولات في سوق العمل بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن مبادرة 10 ملايين جنيه، حتى بعد مضاعفتها إلى 20 مليوناً، لا تستطيع أن تحمل وحدها عبئاً بهذا الحجم. تستطيع أن تصل إلى بعض الشباب الذين لا تصل إليهم مكاتب العمل، وأن تمنحهم علاقة ثقة ومساراً أولياً. لكنها لا تستطيع أن تعيد تشكيل سوق العمل.
من الدعم إلى النتيجة القابلة للقياس
القيمة الحقيقية للبرنامج ستظهر في ما بعد، لا عند الإعلان عنه. كم شاباً سيخرج من المبادرة إلى عمل مستقر؟ كم منهم سيبقى في الوظيفة بعد ستة أشهر أو سنة؟ كم مشاركاً كان خارج التعليم والعمل والتدريب ثم دخل مساراً واضحاً؟ هذه الأسئلة أهم من عدد الجلسات أو الورش أو اللقاءات.
تقول الحكومة إن المبادرة تأتي ضمن استراتيجية وطنية للشباب، وضمن هدف أوسع يتمثل في تمكين 500 ألف شاب إضافي من الوصول إلى شخص بالغ موثوق خارج المنزل بحلول 2035. كما يجري الحديث عن ثمانية مراكز Young Futures مفتوحة حالياً، وخطة للوصول إلى 50 مركزاً في إنجلترا بحلول آذار 2029. هذه البنية قد تكون مفيدة إذا ارتبطت بخط واضح: إرشاد، تدريب، خبرة عملية، وظيفة، ثم متابعة بعد التوظيف.
الخطر أن يتحول الشاب من برنامج إلى آخر من دون أن يصل إلى عمل فعلي. دورة مهارات، ثم جلسة إرشاد، ثم تجربة قصيرة، ثم عودة إلى الانتظار. لذلك تحتاج الشراكة مع King’s Trust إلى صلة قوية بأصحاب العمل، لا بالقطاع الخيري فقط. فالوظيفة لا تأتي من الدعم المعنوي وحده، بل من شركة تفتح الباب، وتقبل بتدريب الشاب، وتتحمل كلفة البداية معه.
الخلاصة أن مبلغ 10 ملايين جنيه ليس صغيراً إذا استُخدم بدقة، ولا كبيراً إذا قيس بحجم أزمة بطالة الشباب في بريطانيا. الشراكة قد تنجح عندما تصل إلى الشاب الذي لا يجد من يرشده، وعندما تحوله من التردد إلى خطوة عملية. لكنها لن تكفي إذا بقي الاقتصاد لا ينتج فرص دخول كافية. فمواجهة بطالة الشباب لا تبدأ بالمال وحده، ولا تنتهي عند المرشد. تبدأ عندما يشعر الشاب أن هناك من يراه، ثم يجد سوقاً يحتاج إليه فعلاً.
اقرأ أيضاً: الوجه الخفي للبطالة بين الشباب في بريطانيا!